هداية الحيارى

فأمةٌ أَطْبَقَتْ١ على هذا في معبودها، كيف يكثر عليها أن تقول في عبده ورسوله: إنَّه ساحرٌ وكاذبٌ، وملك مسلَّط ونحو هذا؟!!.

ولهذا قال بعض ملوك الهند: أمَّا النصارى؛ فإن كان أعداؤهم من أهل الملل يجاهدونهم بالشَّرْع فأنا أرى جهادَهُمْ بالعقل، وإنْ كنَّا لا نرى قتالَ أحدٍ، لكني أستثني هؤلَاء القومَ من جميع العالم؛ لأنهم قصدوا مُضَادَّة العقلِ، وناصَبُوه العداوةَ، وشَذُّوا عن جميع مصالح العالم الشرعيَّة والعقليَّة الواضحةِ، واعتَقَدُوا كل مستحيلٍ ممكنًا، وبَنَوا من ذلك شرعًا لا يؤدِّي إلى صلاحِ نوعٍ من أنواع العالم؛ ولكنه يصير العاقلُ إذا شرع به أَخْرَقَ، والرشيدُ سفيهًا، والحَسَنُ قبيحًا، والقبيحُ حَسَنًا؛ لأن من كان في أصل عقيدته التي جرى نشؤه عليها: الإساءة إلى الخلاق والنيل منه، وسبّه أقْبَحَ مسبَّةٍ، ووصفه بما يغيِّر صفاتِه الحُسْنَى، فأخْلِقْ به أن يستسهل الإساءةَ إلى مخلوق، وأنْ يصفَه بما يغيِّر صفاتِه الجميلة!

فلو لم تجب مجاهدةُ هؤلاء القوم إلا لعموم إضرارهم الذي٢ لا تحصى وجوهه، كما يجب قَتْلُ الحيوان المؤذي بطبعه = لكانوا أهلًا لذلك٣.

والمقصود: أن الذين اختاروا هذه المقالة في ربِّ العالمين على تعظيمه وتنزيهه وإجلاله ووصفه بما يليق به = هم الذين اختاروا الكُفْرَ

  1. (١) في "ج": "طبقت".
  2. (٢) في "ب، ج": "التي".
  3. (٣) قال هذا الكلام أحد ملوك الهند لما ذكرت له الملل الثلاثة. انظر: "بين الإسلام والمسيحية: رسالة أبي عبيدة الخزرجي" تحقيق محمد شامة، ص (١٢٣ - ١٢٤).
51

بعبده ورسوله وجَحْدَ١ نبوَّته.

والذين اختاروا عبادة صورٍ خَطُّوها بأيديهم في الحيطان مزوَّقةً بالأحمر والأصفر والأزرق؛ لو دنت منها الكلاب لَبَالَتْ عليها، فأعْطَوْها غايةَ الخضوع والذلِّ والخشوع والبكاء، وسألوهَا المغفرةَ والرَّحمةَ والرِّزقَ والنَّصر = هم الذين اختاروا التكذيب بخاتم الرُّسل على الإيمانِ به وتصديقهِ واتِّباعِه. والذين نزَّهوا مطارنتهم وبتاركتهم عن الصاحبة والولد، ونحلوهما٢ للفرد الصمد = هم الذين أنْكَرُوا نبوَّة عبدِهِ وخاتمِ رسله.

والذين اختاروا صلاةً، يقوم أَعْبَدُهُمْ وأزهدُهُمْ إليها والبَوْلُ على ساقه٣ وأفخاذِه، فيستقبلُ الشَّرْقَ، ثم يُصَلِّبُ على وجهه، ويعبد الإله المصلوب، ويستفتح الصلاة بقوله: يا أبانا أنت الذي في السموات تقدس اسمك وليأت٤ ملكك، ولتكن إرادتك في السماء مثلها في الأرض، أعْطِنَا خبزنا الملائِم لنا٥.

ثم يحدِّث مَنْ هو إلى جانبه، وربما سأل عن سعر الخمر والخنزير وعمَّا كسب في القمار وعمَّا طبخ في بيته. وربما أحدث وهو في صلاته، ولو٦ أراد لَبَالَ في موضعه إن أمكنه، ثم يدعو تلك الصورة

  1. (١) في "ج": "وجحدوا".
  2. (٢) في "ج": "ونحلوها".
  3. (٣) في "ج": "ساقيه".
  4. (٤) في "ب، ج": "وآيات".
  5. (٥) إنجيل متى: (٦/ ٩ - ١٣).
  6. (٦) في "ب، ج": "وهو لو … ".
52

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي