والقبيح على الحسن، والباطل على الحق، وأنهم اختاروا من العقائد أَبْطَلَها، ومن الأعمال أَقْبَحَها، وأطبقَ على ذلك أساقفتُهُم وبتاركتهم ورهبانهم فضلًا عن عوامِّهِمْ وسَقَطِهِمْ.
فصل
ولم يقل أحد من المسلمين: إن من ذكرتم من صغير وكبير، وذكر وأنثى، وحُرٍّ وعبد، وراهب وقِسِّيس، كلهم تبيَّن له الهدى. بل أكثرهم جُهَّال بمنزلة الدوابِّ السَّائمة، معرضون عن طلب الهدى، فضلًا عن تبيينه لهم، وهم مقلِّدون لرؤسائهم وكبرائهم وعلمائهم -وهم١ أقل القليل وهم الذين اختاروا الكفر على الإيمان بعد تَبَيُّن الهدى.
وأيُّ إشكال يقع للعقل في ذلك؟ فلم يزل في الناس من يختار الباطل؛ فمنهم من يختاره جهلًا وتقليدًا لمن يُحْسِنُ الظنَّ به، ومنهمٍ من يختاره (مع علمه ببطلانه كبرًا وعُلُوًّا، ومنهم من يختاره طمعًا ورغبةً في مأكلٍ أو جاهٍ أو رياسةٍ، ومنهم من يختاره)٢ حَسَدًا وبَغْيًا، ومنهم من يختاره محبة في صورة وعِشْقًا، ومنهم من يختاره خشيةً، ومنهم من يختاره راحةً ودَعَةً. فلم تنحَصِرْ أسبابُ اختيارِ الكُفْرِ في حُبِّ الرِّيَاسةِ والمَأْكَلَةِ لا غير٣.
(١) في "غ": "وهو".
(٢) ساقط من "غ، ج".
(٣) "لا غير" من "ب" فقط.
فصل
وأما المسألة الثانية
وهي قولكم: هَبْ أنَّهم اختاروا الكفر لذلك، فهلَّا اتَّبع الحقَّ مَنْ لا رياسةَ له ولا مأكلة، إمَّا اختيارًا وإمَّا قهرًا؟
فجوابه من وجوه:
(أحدها): أنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ أكثر مَنْ ذكرتم قد آمن بالرَّسول وصدَّقَهُ اختيارًا لا اضطرارًا، وأكثرُهم أُولو العقولِ١ والأحلامِ والعلومِ، ممن لا يُحْصِيهم إلا الله؛ فرقعة الإسلام إنما انتشرتْ في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف، فدخلوا في دين الله أفواجًا حتى صار الكفار٢ معهم تحت الذلة والصغار.
وقد بينَّا أنَّ الذين أسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أَكثرُ من الذين لم يُسْلِمُوا، وأنَّه إنما بقي منهم أقلُّ القليل، وقد دخل في دين٣ الإسلام من ملوك الطوائف ورؤسائهم، في حياة رسول الله ﷺ، خلقٌ كثير.
وهذا مَلِكُ النَّصارى على إقليم الحبشة في زمن النبيِّ ﷺ، لما تبيِّن له أنَّه رسولُ الله آمن به، ودخل في دينه، وآوى أصحابَهُ ومَنَعَهُمْ من أعدائهم.