وهي قولكم: هَبْ أنَّهم اختاروا الكفر لذلك، فهلَّا اتَّبع الحقَّ مَنْ لا رياسةَ له ولا مأكلة، إمَّا اختيارًا وإمَّا قهرًا؟
فجوابه من وجوه:
(أحدها): أنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ أكثر مَنْ ذكرتم قد آمن بالرَّسول وصدَّقَهُ اختيارًا لا اضطرارًا، وأكثرُهم أُولو العقولِ١ والأحلامِ والعلومِ، ممن لا يُحْصِيهم إلا الله؛ فرقعة الإسلام إنما انتشرتْ في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف، فدخلوا في دين الله أفواجًا حتى صار الكفار٢ معهم تحت الذلة والصغار.
وقد بينَّا أنَّ الذين أسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أَكثرُ من الذين لم يُسْلِمُوا، وأنَّه إنما بقي منهم أقلُّ القليل، وقد دخل في دين٣ الإسلام من ملوك الطوائف ورؤسائهم، في حياة رسول الله ﷺ، خلقٌ كثير.
وهذا مَلِكُ النَّصارى على إقليم الحبشة في زمن النبيِّ ﷺ، لما تبيِّن له أنَّه رسولُ الله آمن به، ودخل في دينه، وآوى أصحابَهُ ومَنَعَهُمْ من أعدائهم.
(١) في "ج": "العقل".
(٢) في "ج": "الكافر".
(٣) ساقط من "ب، ج".
وقصَّتُه أشهر مِنْ أنْ تذكر؛ ولما ماتَ أَعْلمَ رسولُ الله ﷺ أصحابَه بالسَّاعة التي تُوفِّي فيها وبينهما مسيرة شهر، ثم خرج بهم إلى المصلَّى وصلَّى عليه١.
فروى الزُّهْرِيُّ عن أبي بكْرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارث بنِ هشام المَخْزُومِيِّ، عن أم سَلَمَةَ، زوج النبيِّ ﷺ قالت:
لما نزلنا أرضَ الحبشة جاوَرْنَا بها خيرَ جارِ النجاشيَّ، أَمِنَّا على ديننا، وعَبَدْنَا الله لا نُؤْذَى ولا نَسْمع شيئًا نكرهه، فلمَّا بلغ ذلك قريشًا ائتمروا٢ على أن يبعثوا إلى النجاشيِّ هدايا٣ مما يُسْتَطْرَفُ٤ من متاع مكةَ، وكان من أعجب ما يأتيه٥ منها الأُدُم٦، فجمعوا له أُدُمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بَطَارِقَتِهِ بطْرِيْقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعةَ المخَزوميِّ وعمرو بنِ العاص، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعا٧ إلى كل بطْرِيقٍ هديَّتَه قبل أن تكلموا النجاشيَّ فيهم، ثم قَدِّموا إلى النجاشي هدَاياه، ثم سلوه أن يُسَلِّمَهم إليكم قبل أن يُكلِّمهم.
(١) أخرجه البخاري في الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه: (٣/ ١١٦)، ومسلم في الجنائز، باب التكبير على الجنازة: (٢/ ٦٥٦ - ٦٥٧).
(٢) في "ج": "استمروا".
(٣) في "غ": "هديًا".
(٤) في "ج": "استظرفوا".
(٥) في "ج": "رأيته".
(٦) في "ج": "الأديم" وهو الجلد المدبوغ، والجمع: أَدَم وأُدُم، بفتحين وضمتين أيضًا وهو القياس مثل بَريد وبُرُد. (المصباح المنير).