وقصَّتُه أشهر مِنْ أنْ تذكر؛ ولما ماتَ أَعْلمَ رسولُ الله ﷺ أصحابَه بالسَّاعة التي تُوفِّي فيها وبينهما مسيرة شهر، ثم خرج بهم إلى المصلَّى وصلَّى عليه١.
فروى الزُّهْرِيُّ عن أبي بكْرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارث بنِ هشام المَخْزُومِيِّ، عن أم سَلَمَةَ، زوج النبيِّ ﷺ قالت:
لما نزلنا أرضَ الحبشة جاوَرْنَا بها خيرَ جارِ النجاشيَّ، أَمِنَّا على ديننا، وعَبَدْنَا الله لا نُؤْذَى ولا نَسْمع شيئًا نكرهه، فلمَّا بلغ ذلك قريشًا ائتمروا٢ على أن يبعثوا إلى النجاشيِّ هدايا٣ مما يُسْتَطْرَفُ٤ من متاع مكةَ، وكان من أعجب ما يأتيه٥ منها الأُدُم٦، فجمعوا له أُدُمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بَطَارِقَتِهِ بطْرِيْقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعةَ المخَزوميِّ وعمرو بنِ العاص، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعا٧ إلى كل بطْرِيقٍ هديَّتَه قبل أن تكلموا النجاشيَّ فيهم، ثم قَدِّموا إلى النجاشي هدَاياه، ثم سلوه أن يُسَلِّمَهم إليكم قبل أن يُكلِّمهم.
(١) أخرجه البخاري في الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه: (٣/ ١١٦)، ومسلم في الجنائز، باب التكبير على الجنازة: (٢/ ٦٥٦ - ٦٥٧).
(٢) في "ج": "استمروا".
(٣) في "غ": "هديًا".
(٤) في "ج": "استظرفوا".
(٥) في "ج": "رأيته".
(٦) في "ج": "الأديم" وهو الجلد المدبوغ، والجمع: أَدَم وأُدُم، بفتحين وضمتين أيضًا وهو القياس مثل بَريد وبُرُد. (المصباح المنير).
(٧) في "ج": "ادفعوا".
قالت: فخَرجَا فَقَدِمَا على النَّجاشيِّ، ونحن عنده بخير دار، وعند١ خير جوار، فلم يَبْقَ من بَطَارِقَتِهِ بطْرِيْقٌ إلا دفعا٢ إليه هديَّته قبل أن يُكلِّما النَّجاشيَّ. ثم قالا لكل بِطْرِيْقٍ: إنه قد صبأ٣ إلى بلد الملك منَّا غِلْمان سُفَهَاء فَارَقُوا دينَ قومهم، ولم يَدْخلُوا في دينكم، وجاؤوا بدين مُبْتَدَعٍ، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بَعَثنَا إليك فيهم أشرِافُ قومهم (من آبائهمَ، وأعمامهم، وعشائرهم)٤ لتردَّهم إليهم، فإذا كلَّمْنَا المَلِكَ فيهم فأشِيْرُوا عليه بأن يسلِّمهم إلينا ولا يكلِّمهم، فإنَّ قومهم أعلى بهم عينًا٥، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا: نعم.
ثم إنهما قَرَّبا هداياهم إلى النَّجاشيِّ فقبلها منهم، ثم كلَّماه فقالا له: أيها الملك، إنَّه قد صبا إلى بلدك منَّا غِلْمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مُبْتَدَعٍ، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بَعَثنَا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم٦ إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.
قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبدِ الله بنِ أبي ربيعةَ وعمرو بنِ العاص من أن يسمع النَّجاشيُّ كلامَهُمْ.
فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومُهم أعلى بهم عينًا،
(١) ساقط من "غ".
(٢) في "ب، ج": "دفعنا".
(٣) أي خرج هؤلاء إلى بلد. وصبأ: خرج من دين إلى دين.