هداية الحيارى

وأعلم بما عابوا عليهم. فأَسْلِمْهم١ إليهما لِيرُدّاهم إلى بلادهم وقومهم.

قالت٢: فغضب النَّجاشيُّ، ثم قال: لاها الله إذَنْ لا أُسْلِمُهم إليهما و(لا أكاد - أقوام جاوروني)٣ ونزلوا ببلادي واختاروني على مَنْ سواي- حتى أدعوهم فأسألهم عمَّا يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلَمْتُهُمْ إليهما وَرَددْتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك مَنَعْتُهم منهما، وأحْسَنْتُ جوارهم ما جَاوَرُوني.

قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسولِ الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسولُه اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما عَلِمْنَا، وما أَمَرَنَا به نبيُّنَا ﷺ كائنًا في ذلك ما هو٤ كائن، فلما جاؤوه -وقد دعا النَّجاشيُّ أسَاقِفَتَهُ فنشروا مصاحفهم حوله- سألهم فقال: ما هذا الدِّين الذي فارقْتُمْ فيه قومَكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأُمم.

قالت: وكان الذي كلَّمَه جَعْفَرُ بنُ أبي طالبٍ، فقال له: أيها الملك! كُنَّا قومًا أهلَ جاهليةٍ، نعبد الأصنامَ، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسِيءُ الجوار٥، يأكل القويُّ منَّا الضعيفَ، فكنَّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نَسَبَه وصِدْقَه وأمانته

  1. (١) في "ج": "فسلِّمهم".
  2. (٢) في "غ": "قال".
  3. (٣) في السيرة لابن هشام: "ولا يُكاد قوم جاوروني".
  4. (٤) في "ج، ب": "بما هو".
  5. (٥) في "ج": "الجار".
58

وعَفافَه١، فدعانا إلى الله لنوحِّدَه ونَعْبُدَه ونخلعَ ما كنّا نَعبد نحن٢ وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمَرَنَا بصدقِ الحديث، وأداءِ الأَمانة، وصلةِ الرَّحم، وحُسْنِ الجوار، والكفِّ عن المحارم والدماء، ونَهانَا عن الفَواحِش، وقَوْلِ الزُّور، وأَكْلِ مالِ اليتيم، وقَذْفِ المُحْصَنَة، وأَمَرَنَا أنْ نعبدَ الله لا نشركَ به شيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ والزكاة والصيام٣. -قالت: فعدَّد عليه أمورَ الإسلام- فصدَّقْنَاه وآمَنَّا به واتَّبعناه٤ على ما جاء به؛ فَعَبَدْنَا الله وحده، ولم نُشْرِكْ به شيئًا، وحرَّمْنَا ما حرَّم علينا، وأحْلَلْنَا ما أحلَّ لنا، فَعَدَا علينا قومُنا فعذَّبونا وفَتَنْونا عن ديننا لِيَرُدُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ﷿، وأنْ نَسْتَحِلَّ ما كنَّا نَستحلُّ من الخبائث، فلما قَهَرُونَا وظَلَمُونا وشَقُّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على مَنْ سواك، ورَغِبْنَا في جوارك، ورَجَوْنَا أنْ لا نُظْلم عندك أيها الملك.

قالت: فقال له النَّجاشيُّ: هل معك ممَّا جاء به عن الله من شيء؟

قالت: فقال له جعفر: نعم.

فقال له النجاشيُّ: فَاقْرَأه عليَّ، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾ [مريم/ ١].

قالت: فبكى -واللهِ- النجاشيُّ حتى أَخْضَلَ٥ لحيَتَهُ، وبَكَتْ

  1. (١) في "ج": "وعفته".
  2. (٢) ساقطة من "ج".
  3. (٣) في "ب، ج" زيادة: "والحج من استطاع إليه سبيلًا".
  4. (٤) في "غ": "وابتغاء".
  5. (٥) أي بلّلها بالدمع من البكاء.
59

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي