هداية الحيارى

وعَفافَه١، فدعانا إلى الله لنوحِّدَه ونَعْبُدَه ونخلعَ ما كنّا نَعبد نحن٢ وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمَرَنَا بصدقِ الحديث، وأداءِ الأَمانة، وصلةِ الرَّحم، وحُسْنِ الجوار، والكفِّ عن المحارم والدماء، ونَهانَا عن الفَواحِش، وقَوْلِ الزُّور، وأَكْلِ مالِ اليتيم، وقَذْفِ المُحْصَنَة، وأَمَرَنَا أنْ نعبدَ الله لا نشركَ به شيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ والزكاة والصيام٣. -قالت: فعدَّد عليه أمورَ الإسلام- فصدَّقْنَاه وآمَنَّا به واتَّبعناه٤ على ما جاء به؛ فَعَبَدْنَا الله وحده، ولم نُشْرِكْ به شيئًا، وحرَّمْنَا ما حرَّم علينا، وأحْلَلْنَا ما أحلَّ لنا، فَعَدَا علينا قومُنا فعذَّبونا وفَتَنْونا عن ديننا لِيَرُدُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ﷿، وأنْ نَسْتَحِلَّ ما كنَّا نَستحلُّ من الخبائث، فلما قَهَرُونَا وظَلَمُونا وشَقُّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على مَنْ سواك، ورَغِبْنَا في جوارك، ورَجَوْنَا أنْ لا نُظْلم عندك أيها الملك.

قالت: فقال له النَّجاشيُّ: هل معك ممَّا جاء به عن الله من شيء؟

قالت: فقال له جعفر: نعم.

فقال له النجاشيُّ: فَاقْرَأه عليَّ، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾ [مريم/ ١].

قالت: فبكى -واللهِ- النجاشيُّ حتى أَخْضَلَ٥ لحيَتَهُ، وبَكَتْ

  1. (١) في "ج": "وعفته".
  2. (٢) ساقطة من "ج".
  3. (٣) في "ب، ج" زيادة: "والحج من استطاع إليه سبيلًا".
  4. (٤) في "غ": "وابتغاء".
  5. (٥) أي بلّلها بالدمع من البكاء.
59

أساقِفَتُهُ حتى أَخْضَلُوا١ مصاحفَهم حين سمعوا ما تُلِيَ٢ عليهم، ثم قال النجاشيُّ: إنَّ هذا والذي جاء به موسى لَيَخْرج من مِشْكاةٍ واحدة، انطلِقُوا فوالله لا أُسْلِمُهم٣ إليكم أبدًا ولا أكاد.

قالت أمُّ سَلَمَةَ: فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينَّه غدًا أعيبهم عنده بما أستأصل به خَضْراءَهم٤.

قالت: فقال عبدُ الله بنُ أبي ربيعةَ -وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تَفْعلْ، فإنَّ لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالَفُونا.

قال: والله لأُخبِرَنَّه أنَّهم يزعمون أنَّ عيسى ابنَ مريمَ عَبْدٌ.

قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريمَ قولًا عظيمًا، فأرْسِلْ إليهم فاسْألْهُمْ عمَّا يقولون فيه. قالت: فأرَسل إليهم فسألهم عنه.

قالت: ولم ينزل بنا مثلُها.

فاجتمع القوم فقال بعضُهم لبعضٍ: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول -والله- فيه ما قال اللهُ ﷿، وما جاء به نبيُّنا كائنًا في ذلك ما هو كائن.

فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابنِ مريم؟

  1. (١) في "غ": "أخضوا".
  2. (٢) في "ج": "ماتلا".
  3. (٣) في "ج": "لا أسلمتهم".
  4. (٤) شجرتهم التي منها تفرَّعوا. والمراد: أستأصل سوادهم.
60

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي