هداية الحيارى

مجالسُكُم عنده حتى فارقتم دينكم وصدَّقتموه بما قال؟! ما نعلم رَكْبًا أحمق منكم -أو كما قالوا-.

فقالوا لهم: سلامٌ عليكم، لا نجادلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نَأْلُ من أنْفُسِنا خيرًا.

ويقال: إنَّ النَّفَر١ من النَّصارى من أهل نَجْرانَ. ويقال: فيهم نزلتْ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ٥٢ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥].

وقال الزُهْريُّ: ما زلت أسمع من علمائنا أنَّهنَّ نَزَلْنَ في النَّجاشيِّ وأصحابه.

قال ابن إسحاق٢: ووفد على رسول الله ﷺ وفد "نَصَارى نَجْرَانَ" بالمدينة، فحدَّثني محمدُ بنُ جَعْفَر بنِ الزُّبير، قال: لما قَدِم وَفْد نَجْرانَ على رسول الله ﷺ، دخلوا عليه مسجدَه بعد العصر، فحانت صلاتهم، فقاموا يُصلُّون في مسجده، فأراد النَّاس مَنْعَهُم، فقال رسول الله ﷺ: "دَعُوهُمْ" فاستقبلوا المَشْرقَ فصلَّوا صلاتهم، وكانوا ستين راكبًا، منهم أربَعَةٌ وعشرون٣ رجلًا من أشرافهم، منهم ثلاثةُ نَفَرٍ إليهم يؤول أمرهم: "العَاقِبُ": أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا

  1. (١) في "ب، ج": "الوفد".
  2. (٢) "السيرة النبوية": (١/ ٥٧٥). وانظر: "تفسير البغوي": (٣/ ٤٤٦ - ٤٤٧)، "البداية والنهاية": (٧/ ٢٧٠).
  3. (٣) في "السيرة النبوية": "أربعة عشر" وذكر ابن كثير في "تاريخه": (٧/ ٢٧٠) الروايتين عن ابن إسحاق. وراجع: "فتح الباري": ٨/ ٩٤.
64

يَصْدُرُونَ إلا عن رأيه وأمره، واسمُه عَبْدُ المَسِيْحِ. "والسيِّد" ثِمَالُهم١ وصاحب رَحْلِهم٢ ومجمعهم. "وأبو حارثة بنُ عَلْقَمَةَ": أُسْقُفُهُمْ وحِبْرُهم وإمامهم وصاحب مِدْرَاسِهِمْ٣، وكان أبو حارثةَ قد شَرُفَ فيهم ودَرَس كتبهم، وكانت ملوك الرُّوم من أهل النَّصرانيَّة قد شرَّفوه وموَّلوه وأخْدَموه، وبَنَوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لِمَا بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما وجَّهوا إلى رسول الله ﷺ من نَجْرَانَ، جلس أبو حَارثةَ على بَغْلَةٍ له٤ متوجِهًا إلى رسول الله ﷺ، وإلى جنبه٥ أخٌ له يقال له: كُرْزُ بنُ عَلْقَمَةَ، يسايرُه إذْ عثرتْ بغلةُ أبي حارثةَ، (فقال له كُرْزٌ: تَعِسَ الأبْعَدُ -يريد رسولَ الله ﷺ- فقال له أبو حارثة)٦: بل أنتَ تَعِسْتَ. فقال: ولِمَ يا أخي؟! فقال: والله إنه لَلنَّبِيُّ الذي كنَّا ننتظرُه. فقال له كُرْزُ: فما يَمنعُك من اتِّباعه وأنت تعلم هذا؟ فقال: ما صنَع بنا هؤلاء القومُ؛ شرَّفونا وموَّلونا٧ وأكرمونا، وقد أَبَوْا إلا خلافَه، ولو فَعَلْتُ (نَزَعوا منَّا كلَّ ما تَرى)٨. فأصر٩ عليها أخوه كُرْزُ بنُ عَلْقَمةَ حتى أسْلَمَ بعد ذلك.

  1. (١) في "ب، غ": "يمالهم".
  2. (٢) في "غ": "رحلتهم".
  3. (٣) في "ب، ج، غ": "مداراهم". والمدراس: الموضع الذي يدرس فيه كتاب الله. ومنه مدراس اليهود. والمدراس أيضًا: دارس كتب اليهود.
  4. (٤) ساقطة من "ص، غ، ج".
  5. (٥) في "ب، ج": "جانبه".
  6. (٦) ساقط من "غ".
  7. (٧) في "ب، ج، غ": "تولَّونا" وفي "ص": "تولوه".
  8. (٨) في "غ": "نزعوها منا، كل كرامة".
  9. (٩) في "السيرة النبوية": "فأضمر".
65

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي