يَصْدُرُونَ إلا عن رأيه وأمره، واسمُه عَبْدُ المَسِيْحِ. "والسيِّد" ثِمَالُهم١ وصاحب رَحْلِهم٢ ومجمعهم. "وأبو حارثة بنُ عَلْقَمَةَ": أُسْقُفُهُمْ وحِبْرُهم وإمامهم وصاحب مِدْرَاسِهِمْ٣، وكان أبو حارثةَ قد شَرُفَ فيهم ودَرَس كتبهم، وكانت ملوك الرُّوم من أهل النَّصرانيَّة قد شرَّفوه وموَّلوه وأخْدَموه، وبَنَوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لِمَا بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما وجَّهوا إلى رسول الله ﷺ من نَجْرَانَ، جلس أبو حَارثةَ على بَغْلَةٍ له٤ متوجِهًا إلى رسول الله ﷺ، وإلى جنبه٥ أخٌ له يقال له: كُرْزُ بنُ عَلْقَمَةَ، يسايرُه إذْ عثرتْ بغلةُ أبي حارثةَ، (فقال له كُرْزٌ: تَعِسَ الأبْعَدُ -يريد رسولَ الله ﷺ- فقال له أبو حارثة)٦: بل أنتَ تَعِسْتَ. فقال: ولِمَ يا أخي؟! فقال: والله إنه لَلنَّبِيُّ الذي كنَّا ننتظرُه. فقال له كُرْزُ: فما يَمنعُك من اتِّباعه وأنت تعلم هذا؟ فقال: ما صنَع بنا هؤلاء القومُ؛ شرَّفونا وموَّلونا٧ وأكرمونا، وقد أَبَوْا إلا خلافَه، ولو فَعَلْتُ (نَزَعوا منَّا كلَّ ما تَرى)٨. فأصر٩ عليها أخوه كُرْزُ بنُ عَلْقَمةَ حتى أسْلَمَ بعد ذلك.
(١) في "ب، غ": "يمالهم".
(٢) في "غ": "رحلتهم".
(٣) في "ب، ج، غ": "مداراهم". والمدراس: الموضع الذي يدرس فيه كتاب الله. ومنه مدراس اليهود. والمدراس أيضًا: دارس كتب اليهود.
(٤) ساقطة من "ص، غ، ج".
(٥) في "ب، ج": "جانبه".
(٦) ساقط من "غ".
(٧) في "ب، ج، غ": "تولَّونا" وفي "ص": "تولوه".
(٨) في "غ": "نزعوها منا، كل كرامة".
(٩) في "السيرة النبوية": "فأضمر".
فهذا وأمثالُه من الذين مَنَعَتْهُمُ الرِّياسة والمَأكْل من اختيار الهدى، وآثَروا دينَ قومِهم.
وإذا كانَ هذا حالَ الرؤساء المتبوعين -الذين هم علماؤهم وأحبارهم- كان بَقيَّتُهم تَبَعًا لهم. وليس بمُسْتَنْكَرٍ أنْ تمنع الرِّياسةُ والمناصبُ والمآكلُ الرؤساءَ، ويمنع الأتباَعَ تقليدُهم. بل هذا هو الواقع، والعقلُ لا يَسْتَشْكِلُه.
فصل
وكان من رؤساء النَّصارى الذين دخلوا في الإسلام -لما تبيَّن أنه الحق-: الرَّئيسُ المُطَاعُ في قومه "عَدِيُّ بنُ حاتم الطائي"، ونحن نذكر قصته، رواها الإمام أحمد، والترمذيُّ، والحاكم، وغيرهم١.
قال عَدِيُّ بنُ حاتم: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو جالسٌ في المسجد، فقالَ القومُ: هذا عديُّ بنُ حاتمٍ. وجئت بغير أمانٍ ولا كتابٍ، فلما دُفِعْتُ إليه أخذ بيدي، وقد كان قال قبل ذلك: "إني لأرجو أن يجعلَ اللهُ يدَه في يدي".
قال: فقام لي، فَلَقِيَتْهُ امرأةٌ وصبيٌّ معها فقالا: إنَّ لنا إليك حاجةً. فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره، فألقَتْ
(١) رواها الإمام أحمد في "المسند": (٤/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، والترمذي في التفسير: (٥/ ٢٠٤) وقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب"، وصححه الحاكم في "المستدرك": (٤/ ٥١٨ - ٥١٩). وانظر: "سيرة ابن هشام" (٢/ ٣٤٣) مع الروض الأُنُف، "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي: (٢/ ٦٦)، "طبقات ابن سعد": (١/ ٣٢٢).