هداية الحيارى

له الوليدةُ وسادةً، فجلس عليها، وجلستُ بين يديه، فحَمِدَ الله وأثنى عليه.

ثم قال: "ما يُفِرُّك أنْ تقولَ لا إله إلا الله، فهل تعلم من إلهٍ سوى الله؟ " قال: قلت: لا، ثم تكلَّم ساعةً.

ثم قال: ("إنما يُفِرُّك أنْ يُقال: الله)١ أكبر، وتَعْلَمُ أنَّ شيئًا أكبر من الله؟! ".

قال: قلت لا.

قال: "فإنَّ اليهود مغضوبٌ عليهم وإنَّ النصارى ضُلَّالٌ".

قال: قلت: فإنّي حَنِيْفٌ مُسْلمٌ.

قال: فرأيتُ وجهه ينبسطُ٢ فَرَحًا.

قال: ثُمَّ أَمرَ بي فأنْزِلْتُ عند رجلٍ من الأنصار جعلتُ أغْشَاهُ -آتيه- طَرَفَي النَّهار، قال فَبَيْنَا أنا عنده عشيةً إذْ جاءه قومٌ في ثيابٍ من الصُّوف من هذه النِّمار.

قال: فصلَّى وقام فحثَّ عليهم، ثم قال: "ولوْ بِصَاعٍ، ولو بنصفِ صاعٍ، ولو بقَبْضةٍ، ولو ببعضِ قبضةٍ، يَقِي أحدُكم وجهَهُ حَرَّ جهنَّمَ أو النَّارِ، ولو بتمرةٍ، ولو بشِقِّ تمرةٍ، فإن أحدَكم لاقِي الله وقائلٌ له ما أقول لكم: أَلَمْ أجعلْ لك سَمعًا وبَصَرًا؟ فيقولُ: بلى، فيقول: ألم أجعلْ لك مالًا وولدًا؟ فيقولُ: بلى. فيقول: أين ما قدَّمْتَ لنفسك؟! فينظر قُدَّامه

  1. (١) في "غ": "أما تقرّ أن الله".
  2. (٢) في "غ": "يبسط".
67

وخَلْفَهُ وعن يمينه وعن شمالِه ثمَّ لا يجد شيئًا يَقِي وجهَهُ حرَّ جهنَّمَ، لِيَقِ أحدُكم وجهَه النَّار ولو بشِقِّ تمرة، فإنْ لم يجدْ فبكلمةٍ طيِّبةٍ، فإنّي لا أخاف عليكم الفَاقَةَ، فإن الله ناصرُكُمْ ومُعْطِيْكُم حتّى تَسِيْرَ الظَّعِيْنَةُ فيما بين يَثربَ والحِيْرَةِ أو أكثر، ما يُخَافُ على مَطِيَّتِهَا السَّرَقُ"١.

قال: فجعلتُ أقولُ في نفسي: فأين لُصُوصُ طيّ؟.

وكان عَدِيٌّ مطاعًا في قومه بحيث يأخذ المِرْبَاعَ٢ من غنائمهم.

وقال حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن محمدِ بنِ سِيْرِيْنَ، قال: قال أبو عُبَيْدَةَ ابنُ حُذَيْفَةَ٣، قال عديُّ بن حاتم: بعث الله محمدًا ﷺ فكرهته أشدَّ ما كرهتُ شيئًا قط، فخرجتُ حتى أتيتُ أقصى أرض العرب مما يلي الرُّوم، ثم كرهت مكاني أشدَّ مما كرهتُ مكاني الأول، فقلتُ: لو أَتَيْتُهُ فسمعتُ منه، فأتيتُ المدينةَ فَاسْتَشْرَفَنِي النَّاسُ، وقالوا جاء عديُّ ابنُ حاتمٍ الطَائي!؛ جاء عديُّ بنُ حاتمٍ الطَّائي!

فقال: "يا عديَّ بنَ حاتمٍ الطَائي)٤، أسْلِمْ تَسْلَمْ"، فقلت: إنّي على دينٍ.

قال: "أنا أعلم بدينِك منكَ" قلت: أنتَ أعلم بديني مني؟! قال: "نعم"، قال هذا ثلاثًا، قال: "ألستَ رَكُوسِيًّا"؟٥ قلتُ: بلى، قال:

  1. (١) في "غ": "الشرف" وهو تصحيف. وفي "ج": "السَّوق".
  2. (٢) المرباع: ربع الغنيمة.
  3. (٣) في "البداية والنهاية": (٧/ ٢٩٦): "عن رجل".
  4. (٤) ساقط من "غ".
  5. (٥) أي تدين بالركوسية، وهي مذهب بين النصارى والصابئين.
68

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي