هداية الحيارى

وخَلْفَهُ وعن يمينه وعن شمالِه ثمَّ لا يجد شيئًا يَقِي وجهَهُ حرَّ جهنَّمَ، لِيَقِ أحدُكم وجهَه النَّار ولو بشِقِّ تمرة، فإنْ لم يجدْ فبكلمةٍ طيِّبةٍ، فإنّي لا أخاف عليكم الفَاقَةَ، فإن الله ناصرُكُمْ ومُعْطِيْكُم حتّى تَسِيْرَ الظَّعِيْنَةُ فيما بين يَثربَ والحِيْرَةِ أو أكثر، ما يُخَافُ على مَطِيَّتِهَا السَّرَقُ"١.

قال: فجعلتُ أقولُ في نفسي: فأين لُصُوصُ طيّ؟.

وكان عَدِيٌّ مطاعًا في قومه بحيث يأخذ المِرْبَاعَ٢ من غنائمهم.

وقال حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن محمدِ بنِ سِيْرِيْنَ، قال: قال أبو عُبَيْدَةَ ابنُ حُذَيْفَةَ٣، قال عديُّ بن حاتم: بعث الله محمدًا ﷺ فكرهته أشدَّ ما كرهتُ شيئًا قط، فخرجتُ حتى أتيتُ أقصى أرض العرب مما يلي الرُّوم، ثم كرهت مكاني أشدَّ مما كرهتُ مكاني الأول، فقلتُ: لو أَتَيْتُهُ فسمعتُ منه، فأتيتُ المدينةَ فَاسْتَشْرَفَنِي النَّاسُ، وقالوا جاء عديُّ ابنُ حاتمٍ الطَائي!؛ جاء عديُّ بنُ حاتمٍ الطَّائي!

فقال: "يا عديَّ بنَ حاتمٍ الطَائي)٤، أسْلِمْ تَسْلَمْ"، فقلت: إنّي على دينٍ.

قال: "أنا أعلم بدينِك منكَ" قلت: أنتَ أعلم بديني مني؟! قال: "نعم"، قال هذا ثلاثًا، قال: "ألستَ رَكُوسِيًّا"؟٥ قلتُ: بلى، قال:

  1. (١) في "غ": "الشرف" وهو تصحيف. وفي "ج": "السَّوق".
  2. (٢) المرباع: ربع الغنيمة.
  3. (٣) في "البداية والنهاية": (٧/ ٢٩٦): "عن رجل".
  4. (٤) ساقط من "غ".
  5. (٥) أي تدين بالركوسية، وهي مذهب بين النصارى والصابئين.
68

"ألست تَرْأسُ قومَك"؟ قلتُ: بلَى، قال: "ألستَ تأخذ المِرْبَاعَ؟ " قلت: بلَى، قال: "فإنَّ ذلك لا يحل لك في دينك". قال: فوجدتُ بها عليَّ غضاضةً.

ثم قال: "لعلَّه أنْ يمنعَك أنْ تُسْلِمَ أنْ ترى عندنا خَصَاصةً، وترى النَّاس علينا إِلْبًا واحدًا، هل رأيتَ الحِيْرَةَ"؟ قلتُ: لم١ أَرَهَا، وقد علمتُ مكانَها، قال: "فإن الظَّعِيْنَةَ سترحلُ من الحِيْرَة تطوفُ بالبيت بغير جوارٍ، وليفتحنَّ الله علينا كُنُوزَ كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ". قلت: كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ؟ قال: "كنوزُ كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ، ولَيفِيْضُ المالُ حتَى يهتمَّ٢ الرَّجُلُ مَنْ يقبلُ منه صَدَقَتَهُ".

قال: فقد رأيتُ الظَّعِيْنَةَ ترحل مِنَ الحِيْرَةِ بغير جوارٍ، وكنت في أوَّلِ خيلٍ أغارتْ على المَدَائِنِ. وواللهِ لتكونَنَّ الثالثةُ؛ إنَّه حديثُ رسولِ الله ﷺ.

وقد كان "سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ" من أعلم النصارى بدينهم، وكان قد تيقَّن خروجَ النبيِّ ﷺ، فَقَدِمَ المدينةَ قبل مبعثه، فلما رآه عرف أنَّه هو النبيُّ الذي بشَّر به المسيح، فآمن به واتَّبعه، ونحن نسوق قِصَّتَه:

قال ابن إسحاق٣: حدَّثني عاصمُ، عن محمودٍ، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: حدَّثني سَلْمانُ الفارسيُّ مِنْ فيه، قال: كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصْبَهَان من قريةٍ يُقَال لها جَيّ، وكان أبي دِهْقَان

  1. (١) في "ج": "قلت: لا لم .. ".
  2. (٢) في "غ، ج": "يهمّ".
  3. (٣) "السيرة النبوية": (١/ ٢١٤) وما بعدها.
69

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي