"ألست تَرْأسُ قومَك"؟ قلتُ: بلَى، قال: "ألستَ تأخذ المِرْبَاعَ؟ " قلت: بلَى، قال: "فإنَّ ذلك لا يحل لك في دينك". قال: فوجدتُ بها عليَّ غضاضةً.
ثم قال: "لعلَّه أنْ يمنعَك أنْ تُسْلِمَ أنْ ترى عندنا خَصَاصةً، وترى النَّاس علينا إِلْبًا واحدًا، هل رأيتَ الحِيْرَةَ"؟ قلتُ: لم١ أَرَهَا، وقد علمتُ مكانَها، قال: "فإن الظَّعِيْنَةَ سترحلُ من الحِيْرَة تطوفُ بالبيت بغير جوارٍ، وليفتحنَّ الله علينا كُنُوزَ كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ". قلت: كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ؟ قال: "كنوزُ كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ، ولَيفِيْضُ المالُ حتَى يهتمَّ٢ الرَّجُلُ مَنْ يقبلُ منه صَدَقَتَهُ".
قال: فقد رأيتُ الظَّعِيْنَةَ ترحل مِنَ الحِيْرَةِ بغير جوارٍ، وكنت في أوَّلِ خيلٍ أغارتْ على المَدَائِنِ. وواللهِ لتكونَنَّ الثالثةُ؛ إنَّه حديثُ رسولِ الله ﷺ.
وقد كان "سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ" من أعلم النصارى بدينهم، وكان قد تيقَّن خروجَ النبيِّ ﷺ، فَقَدِمَ المدينةَ قبل مبعثه، فلما رآه عرف أنَّه هو النبيُّ الذي بشَّر به المسيح، فآمن به واتَّبعه، ونحن نسوق قِصَّتَه:
قال ابن إسحاق٣: حدَّثني عاصمُ، عن محمودٍ، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: حدَّثني سَلْمانُ الفارسيُّ مِنْ فيه، قال: كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصْبَهَان من قريةٍ يُقَال لها جَيّ، وكان أبي دِهْقَان
(١) في "ج": "قلت: لا لم .. ".
(٢) في "غ، ج": "يهمّ".
(٣) "السيرة النبوية": (١/ ٢١٤) وما بعدها.
قَرْيته، وكنتُ أحبَّ خَلْقِ الله إليه، لم يزل حُبُّه إيَّاي، حتى حبسني في بيتٍ كما تُحْبَسُ الجاريةُ، فاجتهدت في المجوسيَّة حتى كنت قَطِنَ١ النَّار التي نوقدها لا نتركها تخبو ساعةً.
وكانت لأبي ضيعةٌ عظيمة، فشُغِل في بُنْيانٍ له يومًا، فقال: يا بنيَّ إنِّي قد شُغِلْت في بُنْياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهبْ إليها فاطَّلِعها٢. وأمَرَني فيها ببعض ما يريد، ثم قال لي: ولا تحتبس عنِّي؛ فإنك إن احتبستَ عنّي كنتَ أهمَّ إليَّ مِنْ ضيعتي، وشَغَلتَنِي عن كلِّ شيء من أمري.
فخرجت أريد ضيعتَه التي بعثني إليها، فمررت بكنيسةٍ من كنائس النَّصارى، فسمعتُ أصواتَهم فيها وهم يصلُّون، وكنت لا أدري ما أمر الناس، لحَبْس أبي إيَّايَ في بيته، فلما سمعتُ أصواتهم دخلتُ عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتُهم أعجَبَتْنِي صلاتُهم، ورغبتُ في أمرهم، وقلتُ: هذا -والله- خيرٌ من الذي نحن عليه. فوالله ما بَرِحْتُهُم حتى غربتِ الشَّمسُ، وتركتُ ضيعتَه فلم آتِهَا، ثم قلت لهم: أين أصلُ هذا الدِّين؟ قالوا: بالشام.
فرجعت إلى أبي وقد بعثَ في طلبي، وشغلتُه عن عمله كلِّه، فلما جئتُه قال: يا بنيَّ أين كنت؟ ألم٣ أكن عهدتُ إليك ما عهدتُ؟ قلت: يا أبتِ٤ مررت بأناسٍ يصلُّون في كنيسةٍ لهم فأعجبني ما رأيتُ من دينهم، فوالله ما زلتُ حتى غربتِ الشمسُ. قال: أي بنيَّ! ليس في ذلك