"اذهبْ يا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لها١، (فإذا فرغتَ فَأْتِنِي أكنْ أنا أضعها بيدي". فَفَقَّرْتُ)٢، وأعانني أصحابي حتى إذا فرغتُ جئتُه فأخبرتُه، فخرج معي إليها، فجَعَلْنا نقرِّب إليه الوَدِيَّ ويضعُه رسولُ الله ﷺ بيده حتى فرغت، فوالذي نَفْسُ سلمانَ بيده ما ماتت منها وَدِيَّة واحدة، فأدَّيت النخل وبقي عليَّ المال، فأُتِيَ رسولُ الله ﷺ بمثل بيضة الدَّجَاجة من ذهبٍ، من بعض المعادن، فقال: "ما فعل الفارسيُّ المكاتَب" فدُعِيْتُ له، فقال: "خُذْ هذه فَأدِّها٣ ممَّا عليك يا سَلْمَانُ" فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليَّ؟! قال: "خذها فإنَّ الله سيؤدِّي بها" فأخذتُها فوزنت منها لهم، والذي (نفسي بيده)٤، أربعينَ أوقيَّةً فأوفيتُهم٥ حقَّهم، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخَنْدَقَ، ثم لم يَفُتْنِي معه مَشْهَدٌ٦.
(١) أي احفر لها لتغرسها. يقال: فَقَر الأرضَ فَقْرًا: حَفرها. وفَقَّر مبالغة في "فَقَر"، فَقَر الفسيلةَ: حفر لها حفرة تُغرس فيها. انظر: "المعجم الوسيط" مادة "فقر".
(٢) ساقط من "غ".
(٣) ساقط من "غ".
(٤) في "ب": "نفس سليمان".
(٥) في "ب": "وفّيتهم".
(٦) أخرجه ابن إسحاق في "السيرة": (١/ ٢١٤) وما بعدها، والإمام أحمد: (٥/ ٤٤١ - ٤٤٣)، وأبو نعيم في "الدلائل": (١/ ٢٥٨ - ٢٦٤)، وابن سعد: (١/ ١٥٣ - ١٥٥). قال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني في الكبير بأسانيد، وإسناد الرواية الأولى عند أحمد والطبراني رجالها رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق وقد صرَّح بالسماع. وإسناد الثانية انفرد بها أحمد ورجالها رجال الصحيح غير عمرو بن أبي قرة الكندي وهو ثقة". انظر: "مجمع الزوائد": (٩/ ٣٣٦)، "البداية والنهاية": (٣/ ٥٠٨ - ٥١٥).
فصل
وكان مَلِكُ الشَّام أحد أكابر علمائهم بالنصرانية (هِرَقْل)، قد عرف أنَّه رسولُ الله ﷺ حقًّا، وعزم على الإسلام، فأبى عليه عُبَّادُ الصَّليب، فخافهم١ على نفسه، وضنَّ بِمُلْكِهِ مع علمه بأنَّه سَيُنْقَلُ عنه إلى رسول الله ﷺ وأمَّتِهِ. ونحن نسوقُ قِصَّتَه.
ففي "الصحيحين" من حديث عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ، أنَّ أبا سفيان أخبره مِنْ فِيْه إلى فِيْهِ، قال: انطلقتُ في المُدَّةِ التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ قال: فَبَيْنَا أنا بالشَّام إذْ جِيءَ بكتاب رسولِ الله ﷺ إلى هِرَقْلَ، وقد كان دِحْيَةُ بنُ خَلِيفَةَ جاء به، فدفعه إلى عظيم بُصْرَى٢، فدفعه عظيم بُصْرى إلى هِرَقْلَ، فقال هِرَقْلُ: هل هاهُنَا أحدٌ مِنْ قومِ هذا الرَّجُل الذي يزعُم أنَّه نبيٌّ؟ قالوا: نعم. قال: فدُعِيْتُ في نَفَرٍ من قريشٍ، فدخلنا على هِرَقْل، فأجْلَسَنَا بين يديه، وأجلسوا أصحابي خَلْفِي، فدعا بِتَرْجُمَانِهِ فقال: قلْ لهم: إني سائلٌ هذا عن الرَّجل الذي يَزْعُمُ أنَّه نبيُّ، فإَنْ كَذَبَنِي فكذِّبوه، فقال أبو سفيان: وَايْمُ اللهِ! لولا مَخَافَةُ أنْ يُؤْثَرَ عليَّ الكَذِبُ لَكَذَبْتُ٣.
ثم قال لتَرْجُمَانِه: سَلْهُ كيف حَسَبُه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حَسَبٍ. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتَّهمونه بالكَذِب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: ومَنِ اتَّبعَه؟