هداية الحيارى

قال شُجاعٌ: فقدمتُ على رسولِ الله ﷺ. فأخبرتُه فقال: "بَادَ مُلْكُهُ" وأقْرَأْتُه من مُري السَّلامَ، وأخبرتُه بما قال. فقال رسولُ الله ﷺ: "صَدَق"١.

فصل

ونحن إنما ذكرْنَا بعضَ ملوكِ الطَّوائفِ الذين آمنوا به، وأكابر علمائهم وعظمائهم، ولا يمكننا حَصْرُ مَنْ عداهم٢، وهم (جمهورُ أهل الأرض، ولم يتخلَّفْ عن متابعته إلا الأقَلُّون)٣، وهم: إمَّا مُسالِمٌ له قد رَضِي بالذلَّة والجزية والهوان، وإمَّا خائفٌ منه؛ فأهْلُ الأرض معه ثلاثةُ أقسامٍ: مسلمون٤ ومُسَالِمُونَ له، وخَائِفُونَ مِنْه.

ولو لم يسلم من اليهود في زمنه إلا سَيِّدُهم على الإطلاق وابنُ سيِّدِهم، وعالمُهم وابنُ عالمهم باعترافهم له بذلك وشهادتهم: عَبْدُ اللهِ ابنُ سَلَامٍ، لكان في مقابلة كلِّ يهوديً على وجه الأرض. فكيف وقد تابعه على الإسلام من الأحبار والرهبان مَنْ لا يُحْصي عدَدَهُمْ إلا الله؟!

ونحن نذكر قصة عبد الله بن سلام:

فروى البخاريُّ في "صحيحه" من حديث عبدِ العزيز بنِ صُهَيْبٍ، عن أنس بن مالكٍ، قال: أقْبَلَ رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، فقالوا: جاء نبيُّ الله، فَاسْتَشْرَفُوا ينظرون، إذْ سمع به عبدُ الله بنُ سَلَامٍ، وهو في نخلٍ لأهله يَخْتَرِفُ لهم منه، فَعَجِلَ أنْ يضع الذي يَخْتَرِفُ لهم فيها، فجاء

  1. (١) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد: (١/ ٢٦١)، "المصباح المضيّ" لابن حديدة: (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢)، "مجموعة الوثائق السياسية"، ص (١٢٦).
  2. (٢) في "غ": "عدائهم".
  3. (٣) ما بين القوسين ساقط من "ب" واستدركه من نسخة أخرى.
  4. (٤) في "ب، ص": "مسلمون له".
92

وهي معه، فسمع من نبيِّ الله ﷺ، ثم رجع إلى أهله، فلما خَلَا نبيُّ الله ﷺ جاء عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ، فقال: أشهد أنَّك نبيُّ الله حقًّا، وأنَّك جئتَ بالحقِّ، ولقد عَلِمَتِ اليهودُ أنِّي سَيِّدُهُم وابنُ سيِّدِهم وأعْلَمُهُمْ وابنُ أعْلَمِهِمْ١، فَادْعُهُمْ فاسألْهُمْ عنِّي قَبْلَ أن يعلموا أنّي قد أسلمتُ، فإنهم إنْ يعلمُوا أنِّي قد أسلمتُ قالوا فيَّ ما ليس فيَّ.

فأرسل نبيُّ الله ﷺ إليهم فدخلوا عليه، فقال لهم نبي الله ﷺ: "يا مَعْشَرَ اليهود ويلكم! اتَّقُوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنَّكم لتعلمونَ أنّي رسولُ الله حقًّا، وأنّي جِئْتُكُم بحقٍّ، أسلمُوا".

قالوا: ما نعلمه، فأعادها عليهم ثلاثًا وهم يُجِيْبُونَه كذلك.

قال: "أيُّ٢ رجلٍ فيكمِ عبدُ الله بنُ سلام؟ " قالوا: ذاك سَيِّدُنا وابنُ سيِّدِنا، وأعْلَمُنَا وابنُ أعْلَمِنَا. قال: "أفرأَيْتُم إنْ أسْلَم؟ " قالوا: حاشى لله، ما كان لِيُسْلِم.

فقال: "يا ابنَ سلامٍ اخْرُجْ عليهم" فخرج إليهمِ فقال: يا مَعْشَرَ اليهود، ويلكم، اتَّقُوا الله! فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتَعْلَمُون أنِّه رسولُ الله حقًّا، وأنَّه جاء بالحقِّ، فقالوا: كَذَبْتَ، فَأخرَجَهُمُ النبيُّ ﷺ٣.

وفي "صحيح البخاريِّ" أيضًا من حديث حُمَيْدٍ، عن أنسٍ، قال: سمع عبدُ الله بنُ سلامٍ بقدوم رسولِ الله ﷺ وهو في أرضٍ له، فأتى النبيَّ ﷺ فقال: إنّي سائِلُك عن ثلاثٍ، لا يعلمُهُنَّ إلا نبيٌّ، ما أولُ أشراطِ

  1. (١) في "ج": "عالمهم".
  2. (٢) في "ج، غ": "فأيّ".
  3. (٣) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ إلى المدينة: (٧/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
93

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي