الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة باسمه١ وصفته، فإنّي أشهد أنَّه رسول الله، وأُوْمِنُ به وأصدِّقُه وأعرفه. قالوا: كذبتَ، ثم وقعوا فيَّ، فقلتُ: يارسولَ الله أَلمْ أُخْبِرْك أنِّهم قومٌ بهتٌ أهلُ غدرٍ وكذبٍ وفجورٍ؟! قال: فأظهرتُ إسلامي، وأسلمَ أهلُ بيتي، وأسلمتْ عَمَّتي، ابنةُ الحارث، فَحَسُنَ إسلامها٢.
وفي "مسند الإمام أحمد" وغيره، عنه قال: لما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ وانجَفَلَ النَّاس قِبَلَهُ، فقالوا: قَدِمَ رسول الله ﷺ قال: فجئت في النَّاس لأنظر إلى وجهه، فلما رأيتُ وجهه عرفت أنَّ وجهه ليس بوجه كذّاب، فكان أول شيءٍ سمعته منه أن قال: "يا أيُّها الناس أطْعِمُوا الطعام، وأفْشُوا السَّلامَ، وصِلُوا الأَرْحَامَ، وصَلُّوا والناسُ نِيَامٌ، تدخلوا الجنَّة بسلامٍ"٣.
فعلماء القوم وأحبارهم، كلُّهم كانوا كما قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة/ ١٤٦، الأنعام/ ٢٠] فمنهم من آثر الله ورسولَه والدارَ الآخرة، ومنهم من آثر الدنيا وأطاعَ داعِيَ الحسد والكِبْر.
(١) في النسخ "اسمه". والمثبت من ابن إسحاق.
(٢) "السيرة النبوية" لابن هشام: (١/ ٥١٦) وما بعدها، مسند الإمام أحمد: (٥/ ٤٥١)، "دلائل النبوة" للبيهقي: (٢/ ٥٢٨ - ٥٢٩)، "طبقات ابن سعد": (١/ ٢٣٦)، "مجمع الزوائد" (٩/ ٣٢٦).
(٣) أخرجه الإمام أحمد: (٥/ ٤٥١)، والترمذي في صفة القيامة، باب فضل صلاة الليل: (٧/ ١٨٧ - ١٨٨) وقال: "حديث حسن صحيح"، والدارمي في الصلاة: (١/ ٣٤٠)، والبيهقي: (٢/ ٥٠٢)، وابن أبي شيبة: (٨/ ٥٣٦)، وعبد بن حميد، ص (٤٩٦).
وفي "مغازي موسى بن عقبة" عن الزُّهْرِيِّ، قال: كان بالمدينة مَقْدَمَ رسولِ الله ﷺ أوثانٌ تعبدها١ رجال من أهل المدينة، لا يتركونها، فأقْبَلَ عليهم قومُهم وعلى تلك الأوثان فهدموها.
وعَمَدَ أبو ياسر بنُ أخطب، أخو حُيَيّ بنِ أخطب، وهو أبو صفيةَ زوج النبيِّ ﷺ، فجلس إلى النبيِّ ﷺ، فسمع منه وحادثه ثم رجع إلى قومه، وذلك قبل أن تُصْرَفَ القِبْلَةُ نحو المسجد الحرام، فقال أبو ياسر: يا قوم٢، أطِيْعُوني، فإنَّ الله ﷿ قد جاءكم بالذي كنتم٣ تنتظرونَ، فاتَّبِعُوه ولا تُخالِفُوه٤.
فانطلقَ أخوه حُيَيّ حين سمع ذلك -وهو سيد اليهود يومئذ وهما من بني النَّضِيْر- فأتى النبيَّ ﷺ فجلس إليه -وسمع منه، فرجع إلى قومه وكان فيهم مطاعًا- فقال: أتيتُ مِنْ عند رجل -والله- لا أزال له عدوًّا أبدًا. فقال له أخوه أبو ياسر: يا ابنَ أمي، أطِعْنِي في هذا الأمر، ثمِ اعْصِنِي فيما شئتَ بعده، لا تَهْلِك! قال: لا والله، لا أطيعك. واسْتَحْوذَ عليه الشَّيطانُ، فاتَّبَعَهُ قومُه على رأيه٥.
وذكر ابن إسحاقَ، عن عبد الله بنِ أبي بكرٍ، عمَّن حدَّثه عن صفيةَ بنتِ حُيَيّ أنها قالت: لم يكن من ولد أبي وعمي أحدٌ أحبَّ إليهما مِنّي، لم ألقَهُمَا في ولدٍ قطُّ إلا أخذاني دونَه، فلما قدم رسول الله ﷺ قُبَاء نزل