هداية الحيارى

وفي "مغازي موسى بن عقبة" عن الزُّهْرِيِّ، قال: كان بالمدينة مَقْدَمَ رسولِ الله ﷺ أوثانٌ تعبدها١ رجال من أهل المدينة، لا يتركونها، فأقْبَلَ عليهم قومُهم وعلى تلك الأوثان فهدموها.

وعَمَدَ أبو ياسر بنُ أخطب، أخو حُيَيّ بنِ أخطب، وهو أبو صفيةَ زوج النبيِّ ﷺ، فجلس إلى النبيِّ ﷺ، فسمع منه وحادثه ثم رجع إلى قومه، وذلك قبل أن تُصْرَفَ القِبْلَةُ نحو المسجد الحرام، فقال أبو ياسر: يا قوم٢، أطِيْعُوني، فإنَّ الله ﷿ قد جاءكم بالذي كنتم٣ تنتظرونَ، فاتَّبِعُوه ولا تُخالِفُوه٤.

فانطلقَ أخوه حُيَيّ حين سمع ذلك -وهو سيد اليهود يومئذ وهما من بني النَّضِيْر- فأتى النبيَّ ﷺ فجلس إليه -وسمع منه، فرجع إلى قومه وكان فيهم مطاعًا- فقال: أتيتُ مِنْ عند رجل -والله- لا أزال له عدوًّا أبدًا. فقال له أخوه أبو ياسر: يا ابنَ أمي، أطِعْنِي في هذا الأمر، ثمِ اعْصِنِي فيما شئتَ بعده، لا تَهْلِك! قال: لا والله، لا أطيعك. واسْتَحْوذَ عليه الشَّيطانُ، فاتَّبَعَهُ قومُه على رأيه٥.

وذكر ابن إسحاقَ، عن عبد الله بنِ أبي بكرٍ، عمَّن حدَّثه عن صفيةَ بنتِ حُيَيّ أنها قالت: لم يكن من ولد أبي وعمي أحدٌ أحبَّ إليهما مِنّي، لم ألقَهُمَا في ولدٍ قطُّ إلا أخذاني دونَه، فلما قدم رسول الله ﷺ قُبَاء نزل

  1. (١) في "ب": "تعبدونها".
  2. (٢) في "ج": "قومي".
  3. (٣) ساقط من "ب".
  4. (٤) في "غ": "تخافوه".
  5. (٥) انظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: (٤/ ٥٢٥) (تحقيق د. التركي)، "دلائل النبوة" للبيهقي: (٢/ ٥٣٣).
97

في بني عَمْرو بنِ عوف، فغدا إليه أبي وعَمِّي أبو ياسر بنُ أخْطَب مُغَلِّسِيْنَ، فوالله ما جاءا إلا مع مغيب الشمس، فجاءا فَاتِرَيْن كَسِلَيْنِ١ ساقِطَيْن، يمشيانِ الهُوَيْنَا، فَهَشِشْتُ إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما نظر إليَّ واحدٌ منهما، فسمعتُ عمِّي أبا ياسرٍ يقول لأبي: أهُوَ هوَ؟ قال: نعم والله، قال: تعرفه بِنَعْتِهِ وصفتِه؟ قال: نعم والله. قال: فماذا في نفسك منه؟ قال: عَدَاوَتُه -واللهِ- ما بَقِيْتُ٢.

قال ابن إسحاق: وحدَّثني محمدُ بنُ أبي٣ محمَّدٍ، مولى زيد بن ثابت، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرمَةُ عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن شعية٤، وأسد بن شعية، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من اليهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام، قال مَنْ كَفَرَ من اليهود: ما آمن بمحمَّدٍ، ولا اتَّبعه إلا شِرَارُنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركُوا دينَ آبائهم وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله ﷿ في ذلك٥: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ١١٣ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣، ١١٤].

  1. (١) في "ب" بالهامش: "كلّين".
  2. (٢) "السيرة النبوية": (١/ ٥١٨) وانظر: "دلائل النبوة" للبيهقي: (٢/ ٥٣٣)، ولأبي نعيم الأصبهاني: (١/ ٧٧).
  3. (٣) ساقط من "غ".
  4. (٤) في "السيرة": "سعية"، وفي "الدلائل" للأصبهاني: "سُعْنَةَ".
  5. (٥) "السيرة النبوية" مع "الروض الأنف": (٢/ ٢٦)، "طبقات ابن سعد": (١/ ١٦٠)، "دلائل النبوة" لأبي نعيم: (١/ ٨١)، "دلائل النبوة" لقوّام السنة: (٤/ ١٢٣٧).
98

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي