هداية الحيارى

في بني عَمْرو بنِ عوف، فغدا إليه أبي وعَمِّي أبو ياسر بنُ أخْطَب مُغَلِّسِيْنَ، فوالله ما جاءا إلا مع مغيب الشمس، فجاءا فَاتِرَيْن كَسِلَيْنِ١ ساقِطَيْن، يمشيانِ الهُوَيْنَا، فَهَشِشْتُ إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما نظر إليَّ واحدٌ منهما، فسمعتُ عمِّي أبا ياسرٍ يقول لأبي: أهُوَ هوَ؟ قال: نعم والله، قال: تعرفه بِنَعْتِهِ وصفتِه؟ قال: نعم والله. قال: فماذا في نفسك منه؟ قال: عَدَاوَتُه -واللهِ- ما بَقِيْتُ٢.

قال ابن إسحاق: وحدَّثني محمدُ بنُ أبي٣ محمَّدٍ، مولى زيد بن ثابت، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرمَةُ عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن شعية٤، وأسد بن شعية، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من اليهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام، قال مَنْ كَفَرَ من اليهود: ما آمن بمحمَّدٍ، ولا اتَّبعه إلا شِرَارُنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركُوا دينَ آبائهم وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله ﷿ في ذلك٥: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ١١٣ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣، ١١٤].

  1. (١) في "ب" بالهامش: "كلّين".
  2. (٢) "السيرة النبوية": (١/ ٥١٨) وانظر: "دلائل النبوة" للبيهقي: (٢/ ٥٣٣)، ولأبي نعيم الأصبهاني: (١/ ٧٧).
  3. (٣) ساقط من "غ".
  4. (٤) في "السيرة": "سعية"، وفي "الدلائل" للأصبهاني: "سُعْنَةَ".
  5. (٥) "السيرة النبوية" مع "الروض الأنف": (٢/ ٢٦)، "طبقات ابن سعد": (١/ ١٦٠)، "دلائل النبوة" لأبي نعيم: (١/ ٨١)، "دلائل النبوة" لقوّام السنة: (٤/ ١٢٣٧).
98

فصل

قال السائل١: مشهورٌ عندكم (في الكتاب والسنة أنَّ نبيَّكم كان مكتوبًا عندهم)٢ في التوراة والإنجيل، لكنَّهم مَحَوْهُ عنهما لسبب الرِّياسةِ والمأْكلَةِ. والعقلُ يستشكل ذلك، أفكُلُّهم اتَّفقُوا على مَحْوِ اسمهِ من الكتب المنزَّلة من ربِّهم، شرْقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا؟! هذا أمرٌ يستشكله٣ العقلُ أعْظَمَ مِنْ نَفْيِهِمْ بألسنتهم؛ لأنَّه يمكن الرجوعُ عمَّا قالوا بألسنتهم. والرجوعُ عمَّا مَحَوا أبْعَدُ!

والجواب: أنَّ هذا السؤال مبنيٌّ على فَهْمٍ فاسد، وهو أنَّ المسلمين يعتقدون (أنَّ اسم النبيِّ ﷺ الصريحَ، وهو محمد بالعربية، مذكورٌ في التوراة والإنجيل -وهما الكتابان المتضمِّنان لشريعتين، وأنَّ المسلمين يعتقدون)٤ أنَّ اليهود والنصارى في جميع أقطار الأرض محوا ذلك الاسمَ، وأسْقَطُوه جملةً من الكتابَيْن وتَواصَوا بذلك بُعْدًا وقُرْبًا وشرقًا وغربًا.

وهذا لم يَقُلْه عالمٌ من علماء المسلمين، ولا أخبر اللهُ -سبحانه- به في كتابه عنهم، ولا رسولُه ولا بَكَّتَهُمْ٥ به يومًا من الدَّهر، ولا قاله أحدٌ من الصَّحابة ولا الأئمة بَعْدَهُمْ، ولا علماءُ التفسير، ولا المُعْتَنُونَ بأخبار الأُمم وتواريخِهِمْ.

  1. (١) في المطبوع: "أما المسألة الثالثة فهي قول السائل".
  2. (٢) ساقط من "غ".
  3. (٣) في "غ": "يستشكل".
  4. (٤) ما بين القوسين ساقط من "غ".
  5. (٥) في "غ": "يكتم".
99

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي