وإنْ قُدِّرَ١ أنِّه قاله بعض عوامِّ المسلمين؛ يقصد به نَصْرَ الرَّسول، فقد قيل: الصَّدِيْق الجاهلُ يضرُّ أكثر مما يضرُّ العدوُّ العاقل.
وإنما أُتِيَ هؤلاء من قلَّة فَهْمِ القرآن، وظنُّوا أنَّ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾[الأعراف: ١٥٧]. = دلَّ على الاسم الخاص بالعربية في التوراة والإنجيل المخصُوصَيْن، وأنّ ذلك لم يوجد البَتَّة. فهذه ثلاث مقامات٢:
أما المقام الأول: فالربُّ سبحانه إنما أخبر عن كَوْنِ رسولهِ مكتوبًا عندهم -أي الإخبار عنه وصفته ومخرجه ونعته- ولم يُخْبِرْ بأنَّ صريح اسمِه العربيّ مذكورٌ عندهم في التوراة والإنجيل.
وهذا واقعٌ في الكتابَيْن -كما سنذكر ألفاظهما٣ إن شاء الله- وهذا أبْلَغُ مِنْ ذِكْره بمجرد اسمهِ، فإنَّ الاشتراك قد يقع في الاسم فلا يحصل التعريف والتمييز، ولا يشاء أحدٌ، يُسمَّى بهذا الاسم، أنْ يَدَّعي أنه هو: إلا فَعَلَ، إذِ الحوالةُ إنما وقعتْ على مجرَّد الاسم، وهذا لا يحصل به بيانٌ ولا تعريفٌ ولا هدًى، بخلاف ذِكْرِه بنعتِه وصفتِه وعلاماتِه ودعوته، وصفةِ أمَّتِه، ووقت مخرجه، ونحو ذلك، فإنَّ هذا يعيِّنُه ويُمَيِّزُه ويحصر نَوْعَه في شخصِهِ.
وهذا القدر مذكورٌ في التوراة والإنجيل وغيرهما من النبوءات التي
(١) في "غ": "قدِّر له".
(٢) ذكر المصنف هنا المقام الأول، ولم يذكر المقامين الآخرين، ولعلهما ما سيأتي من وجوه العلم بأنه ﷺ مذكور في كتبهم، ص (١٠٩) وما بعدها.
(٣) في "غ": "ألفاظها".
بأيدي أهل الكتاب -كما سنذكرها- ويدلُّ عليه وجوه:
(الوجه الأول): أنَّ رسول الله ﷺ كان أحرص الناس على تصديقه، واتِّباعِهِ، وإقامة الحجة على مَنْ خالفه وجَحَدَ نبوَّته، ولاسيما أهل العلم والكتاب، فإنَّ١ الاستدلال عليهم بما يعلمون بطلانه قطعًا لا يفعله عاقل، وهو بمنزلة مَنْ يقول لرجلٍ٢: علامةُ صِدْقي أنَّك فلانُ بن فلانٍ وصَنْعَتُك٣ كيتَ وكيتَ، وتُعْرَفُ بِكَيْتَ وكيتَ، ولم يكن الأمر كذلك، بل بضدِّه.
فهذا لا يصدُر ممَّنْ له مُسْكَةُ عقلٍ، ولا يصدِّقه أحدٌ على ذلك، ولا يَتَّبعُه أحدٌ على ذلك، بل يَنْفِرُ العقلاء كلُّهم عن تصديقه واتِّباعِهِ. والعادةُ تُحِيْلُ سكوتَهم عن الطَّعن عليه والردِّ والتهجين لقوله.
ومن المعلوم بالضَّرورةِ: أنَّ محمدَ بنَ عبدِ الله -صلوات الله وسلامه عليه- نادى مُعْلِنًا في هاتين الأمَّتين اللَّتين هما أعلم الأمم في الأرض قبل مبعثه، بأنَّ ذِكْره ونَعْتَه وصفَته بعيِبه، عندهم في كتبهم، وهو يتلو ذلك عليهم ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا في كلِّ مجمع، وفي كلِّ نادٍ، يدعوهم بذلك إلى تصديقه والإيمانِ به؛ فمنهم من يصدِّق٤ ويؤمن به، ويخبر بما في كتبهم من نعته وصفته وذكره كما سيمر بك إن شاء الله.
وغايةُ المكذِّب الجاحدِ أنْ يقولَ: هذا النَّعْتُ والوصفُ حقٌّ، ولكن لستَ أنت المراد به بل نبيٌّ آخر!