قال ابنُ عبَّاسٍ: لما حضرَ أصحابُ النبيِّ ﷺ بين يدي النَّجاشيِّ وقرأوا القرآن، سمع ذلك القِسِّيْسُونَ والرُّهبان فانحدرتْ دموعهم مما عَرَفُوا من الحق فقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الآيات١.
وقال سعيد بن جبير: بعث النَّجاشيُّ من خيار أصحابه ثمانين رجلًا إلى رسولِ الله ﷺ، فقرأ عليهم القرآن، فَبَكَوا ورَقُّوا، وقالوا نعرفُ -والله-، فأسلموا وذهبوا إلى النَّجاشيِّ فأخْبَرُوه فأسْلمَ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ الآيات٢.
وقال السُّدِّيُّ: كانوا اثني عَشَرَ رجلًا؛ سبعةً من القسيسين وخمسةً من الرُّهبان، فلما قرأ عليهم رسولُ الله ﷺ القرآنَ بَكَوا وقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
قال ابن عباس: هم محمدٌ وأمَّتُه، وهم القوم الصالحون الذين
(١) أخرجه الطبري: (٧/ ١ - ٣)، والبغوي: (١/ ٧٠٣).
(٢) انظر: "تفسير البغوي": (١/ ٧٠٣ - ٧٠٤).
طمعوا أن يُدْخِلَهم الله فيهم١.
والمقصود: أنَّ هؤلاء الذين عرفوا أنه رسول الله بالنَّعت الذي عندهم، فلم يملكوا أعينَهُم من البكاء وقلوبَهُم من المبادرة إلى الإيمان.
قال إمامُ التفسير مُجَاهِدٌ: هم قومٌ من أهل الكتاب، لما سمعوا القرآنَ خَرُّوا سُجَّدَا وقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾٢.
كان الله ﷿ وعد على ألسنة أنبيائه ورسله أَنْ يبعثَ في آخر الزمان نبيًّا عظيمَ الشأن، يَظْهرُ دِيْنُه على الدِّين كلِّه، وتنتشرُ دعوتُه في أقطار الأرض، وعلى رأسِ أمته تقومُ الساعةُ. وأهْلُ الكتابَيْنِ مجمعون على أنَّ الله وَعَدَهُم بهذا النبيِّ، فالسُّعداء منهم عرفوا الحقَّ فآمنوا به واتَّبعوه، والأشقياء قالوا: نحن ننتظره ولم يبعث بعد (رسولًا، فالسُّعداء)٣ لَمَّا سمعوا القرآنَ من الرسولِ عَرَفُوا أنَّه النبي الموعودُ به، فخرُّوا سُجَّدًا لله، إِيمانًا به وبرسوله، وتصديقًا بوعده الذي أنجزه، فرأوه عِيَانًا فقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.
وذكر يونُسُ بنُ بُكَيْر، عن سَلَمَةَ بن عبد يَسُوع، عن أبيه، عن جدِّه