هداية الحيارى

طمعوا أن يُدْخِلَهم الله فيهم١.

والمقصود: أنَّ هؤلاء الذين عرفوا أنه رسول الله بالنَّعت الذي عندهم، فلم يملكوا أعينَهُم من البكاء وقلوبَهُم من المبادرة إلى الإيمان.

ونظيرُ هذا: قولُه -سبحانه-: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا* ١٠٩﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].

قال إمامُ التفسير مُجَاهِدٌ: هم قومٌ من أهل الكتاب، لما سمعوا القرآنَ خَرُّوا سُجَّدَا وقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾٢.

كان الله ﷿ وعد على ألسنة أنبيائه ورسله أَنْ يبعثَ في آخر الزمان نبيًّا عظيمَ الشأن، يَظْهرُ دِيْنُه على الدِّين كلِّه، وتنتشرُ دعوتُه في أقطار الأرض، وعلى رأسِ أمته تقومُ الساعةُ. وأهْلُ الكتابَيْنِ مجمعون على أنَّ الله وَعَدَهُم بهذا النبيِّ، فالسُّعداء منهم عرفوا الحقَّ فآمنوا به واتَّبعوه، والأشقياء قالوا: نحن ننتظره ولم يبعث بعد (رسولًا، فالسُّعداء)٣ لَمَّا سمعوا القرآنَ من الرسولِ عَرَفُوا أنَّه النبي الموعودُ به، فخرُّوا سُجَّدًا لله، إِيمانًا به وبرسوله، وتصديقًا بوعده الذي أنجزه، فرأوه عِيَانًا فقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.

وذكر يونُسُ بنُ بُكَيْر، عن سَلَمَةَ بن عبد يَسُوع، عن أبيه، عن جدِّه

  1. (١) انظر: "تفسير البغوي": (١/ ٧٠٤).
  2. (٢) انظر: "تفسير الطبري": (١٥/ ١٨١)، "زاد المسير": (٥/ ٩٧).
  3. (٣) في "غ": "رسول الله".
104

-قال يونس: وكان نصرانيًّا فأسْلَمَ- أنَّ رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نَجْرَانَ: "بسم إله إِبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، من محمَّدٍ النبيِّ رسولِ الله إلى أُسقفِّ نَجْرَانَ وأهلِ نجرانَ؛ سِلْمٌ أنتم، إنِّي أحمدُ إليكم إله إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ.

أما بعد: فإني أدعوكم إلى عِبَادةِ اللهِ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ، وأدْعُوكم إلى ولايةِ الله من ولايةِ العباد، فإنْ أَبَيْتُمْ فالجزيةُ، فإن أبيتم فقد آذَنْتُكُمْ بحربٍ من الله١، والسلام".

فلما أتى الأُسْقُفَّ الكتابُ فقرأه فَظِعَ به٢، وذعره ذُعْرًا شديدًا، فبعث إلى رجلٍ من أهل عُمَان٣ يقال له: شُرَحْبِيْلُ بنُ وَدَاعَة، وكان من همدان، ولم يكن أحدٌ يُدعَى إلى مُغضِلَةٍ قَبْلَه؛ فدفع الأسقفُّ كتابَ رسولِ الله ﷺ إلى شُرَحْبيْل فقرأه، فقال الأسقفُّ: ما رأيك يا أبا مريم، فقال شُرَحْبيْل٤: قد عَلمتَ ما وعد الله إبراهيمَ في ذريَّة إسماعيل من النبوَّة، فماَ نأمن من أن يكون هذا هو ذاك الرَّجل، ليس لي في النبوة رأيٌ، لو كان أمرًا من الدنيا أشرتُ عليك فيه برأي، وجهدت لك. فقال الأسْقُف: تنحَّ فَاجْلِسْ، فتنحَّى فجلسَ ناحيةً.

فبعث الأسقف إلى رجلٍ من أهل نجران، يقال له: (عبد الله بنُ شُرَحْبِيل، وهو من ذي أَصْبَح من حِمْيَر، فأقرأه الكتابَ وسأله الرأيَ فيه، فقالَ لَه مِثْلَ قولِ شُرَحْبيل، فأمره الأُسقف فتنحَّى.

  1. (١) من "ب".
  2. (٢) في "ب": "قطع به".
  3. (٣) في "زاد المعاد": "من أهل نجران".
  4. (٤) في "ب، غ": "شرحيل". وهي كذلك فيما سيأتي من المواضع كلها.
105

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي