هداية الحيارى

وكذلك لَيُّ اللِّسانِ بالكتاب ليَحْسبَهُ السَّامع منه وما هو منه.

فهذه خمسة أمور:

"أحدها": لَبْسُ الحقِّ بالباطل، وهو خَلْطُه به بحيث لا يتميَّزُ الحقُّ من الباطل.

"الثاني": كِتْمَانُ الحقِّ.

"الثالث": إخفاؤه. وهو قريبٌ من كِتْمَانِهِ.

"الرَّابع": تحريفُ الكَلِمِ عن مواضعه. وهو نوعان: تحريفُ لفظِهِ، وتحريفُ مَعْنَاهُ.

"الخامس": لَيُّ اللِّسان به، ليلبَّس على السَّامع اللفظ المُنَزَّل بغيره.

وهذه الأمور إنما ارتكبوها لأغراضِ لهم دعتهم إلى ذلك، فإذا عَادَوا الرسولَ وجحدوا نبوَّته وكذَّبوه١ وقاتَلُوه؛ فهم إلى أن يجحدوا نَعْتَهُ وصِفَتَهُ ويكتمُوا ذلك ويزيلوه٢ عن مواضعه ويتأوَّلوه على غير تأويله = أقْرَبُ بكثير.

وهكذا فعلوا، ولكنْ لكثرةِ البشارات وتنوُّعها غابوا٣ عن كتمانها وإخفائها فصاروا إلى "تحريف التأويل"، وإزالة معناها عمَّن لا تصلُح لغيره، وجعلها لمعدومٍ لم يخلقه الله، ولا وجودَ له البَتَّةَ.

(العاشر): أنَّه استشهد على صحة نبوَّتِه بعلماء أهل الكتاب، وقد

  1. (١) في "غ": "كذبوا".
  2. (٢) في "غ": "ويزيلونه".
  3. (٣) في "غ": "غلبوا".
115

شهد له عُدُولُهُمْ، فلا يقدح جَحْدُ الكَفَرةِ الكاذبينَ المعاندينَ بعد ذلك. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣].

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠].

وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].

وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٨٢ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣].

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ٥٢ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ٥٣ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤].

وإذا شَهِدَ واحدٌ من هؤلاء لم يوزن به مِلْءُ الأرض من الكَفَرَةِ، ولا تُعَارَضُ شهادتُهُ بجحود مِلْءِ الأرض من الكُفَّار، كيف والشاهد له من علماء أهل الكتاب أضعافُ أضعاف المكذِّبينَ له منهم؟!!

وليس كلُّ مَنْ قال من أشباه١ الحمير -مِنْ عُبَّاد الصليب- وأمة

  1. (١) ساقط من "غ".
116

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي