هداية الحيارى

القرآن بنفسه وضمن للأمة أنْ لا تجتمع١ على ضلالة = لأصابه ما أصابَ الكتبَ قَبْلَهُ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ٩﴾ [الحجر: ٩].

(الثاني عشر): أنه من الممتنع أن تخلوَ الكتبُ المتقدِّمةُ عن الإخبار بهذا الأمر العظيم الذي لم يَطْرُقِ العالَمَ، من حين خلق إلى قيام الساعة، أمرٌ أعظم منه، ولا شأنٌ أكبر منه، (فإنَّ العلم به طبَّقَ)٢ مشارق الأرض ومغاربها، واستمرَّ (على تعاقب)٣ القرون وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومثل هذا النبأ العظيم لابُدَّ أن تتطابق الرُّسل على الإخبار به.

وإذا كان الدجَّال -رجل كاذب يخرج في آخر الزمان، وبقاؤه في الأرض أربعين يومًا- قد تطابقت الرسل على الإخبار به، وأنذر به كلُّ نبيٍّ قومَه من نوح إلى خَاتَمِ الرُّسل٤، فكيف تتطابق٥ الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها على السكوت عن الإخبار بهذا الأمر العظيم الذي لم يطرق العالَمَ أمرٌ أعظم منه ولا يطرقه أبدًا؟.

هذا ما لا يسوَّغه عَقْلُ عاقلٍ، وتأباه حِكْمةُ أحكم الحاكمين، بل الأمر بضدِّ ذلك، وما بعث الله -سبحانه- نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق بالإيمان بمحمَّدٍ وتصديقِهِ، كما قال تعالى:

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ

  1. (١) في "غ": "تجمع".
  2. (٢) في "ب، ج، ص، غ": "فإنه قلب العالم وطبَّق".
  3. (٣) في "ب، ص": "على العالم على تعاقب .. ".
  4. (٤) في "ج": "النبيين"، وفي "ب، ص": "خاتم الأنبياء وخاتم الرسل".
  5. (٥) في "ج": "مطابقة".
118

جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].

قال ابن عباس: ما بعث الله من نبيٍّ إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعِثَ محمد وهو حيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ به، ولَيَنْصُرنَّه، وأمرَهُ أن يأخذ الميثاق على أمته؛ لئن بُعِثَ محمدٌ وهم أحياء لَيُؤْمِنُنَّ به وَلَيُتَابِعُنَّه١.

فصل

فهذه الوجوه على تقدير عدم العلم بوجود نعته وصفته والخبر عنه في الكتب المتقدمة. ونحن نذكر بعضَ ما وَرَدَ فيها من البشارة به ونعته وصفته وصفة أمته، وذلك يظهر من وجوه:

(الوجه الأول): قولُه تعالى في التوراة: "سأُقيم لبني إسرائيلَ نبيًّا من إخوتهم مِثْلَكَ أجعلُ كلامي في فِيْه، ويقول لهم ما آمره به. والذي لا يقبل قَولَ ذلك النبيِّ الذي يتكلم باسمي. أنا أنتقم منه ومن سِبْطِهِ"٢.

فهذا النصُّ ممَّا لا يمكن أحدًا منهم جحدُه وإنكارُه، ولكن لأهل الكتاب فيه أربعة طرق:

"أحدها": حَمْلُه على المسيح، وهذه طريقة النصارى.

وأمَّا اليهود فلهم فيه ثلاثة٣ طرق:

  1. (١) انظر: "تفسير الطبري": "٦/ ٥٥٦"، "تفسير البغوي": (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).
  2. (٢) انظر: العهد القديم، سفر التثنية، الإصحاح (١٨/ ١٥).
  3. (٣) في "غ": "ثلاث". وهذه الطرق الثلاثة، تكمل ما سبق عن طريقة النصارى فتكون كلها أربعة.
119

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي