هداية الحيارى

ولا يصحُّ حمل هذه البشارة على المسيح باتفاق النَّصارى، لأنها إنما جاءت بواحدٍ من إخوة بني إسرائيل، وبنو إسرائيل وإخوتُهم كلُّهم عبيد ليس فيهم إله، والمسيح عندهم إلهٌ معبود، وهو أجلُّ عندهم مِنْ أنْ يكون من إخوة العبيد. والبشارة وقعتْ بعبدٍ مخلوقٍ يقيمه الله من جملة عبيده وإخوتهم، وغايتُه: أن يكون نبيًّا لا غاية له فوقها، وهذا ليس هو المسيح عند النَّصارى.

وأما قولُ المحرِّفين لكلام الله: إنَّ ذلك على حذف ألف الاستفهام، وهو استفهام إنكار، والمعنى: لا أُقيم لبني إسرائيل نبيًّا = فتلك عادةٌ لهم معروفة في تحريفِ كلام الله عن مواضعه، والكذب على الله، وقولهم لما يُبَدِّلونَه ويحرِّفونه: هذا من عند الله. وحَمْلُ هذا اَلكلام على الاستفهام والإنكار غاية ما يكون من التحريف والتبديل١.

وهذا التحريفُ والتبديلُ من معجزات النبيِّ ﷺ (التي أخبر بها عن الله؛ من تحريفهم وتبديلهم، فأظهر الله)٢ صِدْقَه في ذلك لكل ذي لُبٍّ وعقل، فازداد إيمانًا إلى إيمانه، وازداد الكافرون رِجْسًا إلى رِجْسهم.

(الوجه الثاني)٣: قال في التوراة في السِّفْرِ الخامس: "أقْبَلَ الله من سِيْنَا، وتجلَّى من سَاعِيْر، وظهر من جبال فَارَانَ، ومعه رَبَواتُ الأطْهَارِ

  1. (١) انظر: "تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب"، للمهتدي أبي محمد عبد الله الترجمان الميورقي، ص (٢٦٠ - ٢٦٤).
  2. (٢) ساقط من "غ".
  3. (٣) تقدم الوجه الأول في ص (١١٩). وانظر: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" لابن تيمية: (٥/ ١٩٩) وما بعدها، "بذل المجهود في إفحام اليهود" للسموأل بن يحيى المغربي، ص (٦٧ - ٧٤).
122

عن يمينه"١.

وهذه متضمِّنةٌ للنبوَّات الثلاثة: نبوة موسى، ونبوة عيسى، ونبوة محمد ﷺ.

فمجيئه من "سِيْنَا" -وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى ونبَّأه عليه- إخبارٌ عن نبوَّته. وتجلِّيه من ساعير هو مظهر المسيح من بيت٢ المقدس، "وساعير" قرية معروفة هناك إلى اليوم، وهذه بشارة بنبوَّة المسيح. "وفاران" هي مكة.

وشبَّه -سبحانه- نبوةَ موسى بمجيء الصُّبْح، ونبوةَ المسيح بعدها بإشراقه وضيائه، ونبوةَ خاتم الأنبياء بعدهما باستعلاء الشمس وظهور ضوئها في الآفاق. ووقع٣ الأمر كما أخبر به سواء، فإنَّ الله -سبحانه- صَدَعَ بنبوةِ موسى لَيْلَ الكفر، فأضاء فجرُه بنبوتِه، وزاد الضياءُ والإشراقُ بنبوَّةِ المسيح، وكَمُلَ الضِّياءُ واسْتَعْلَنَ، وطبَّق الأرضَ بنبوة محمدٍ -صلوات الله وسلامه عليهم-.

وذِكْرُ هذه النبوَّات الثلاثة -التي اشتملت عليها هذه البشارة- نَظِيْرُ ذِكْرهَا في أول سورة ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ٣﴾ [سورة التين: ١ - ٣].

فذَكَر أمكنةَ هؤلاء الأنبياءِ وأرضَهم التي خرجوا منها. والتِّيْن وَالزَّيْتُوْنُ: المراد بهما منبتُهما وأرضُهما، وهي الأرض المقدَّسة التي

  1. (١) العهد القديم، سفر التثنية، الإصحاح (٣٣) فقرة (٢).
  2. (٢) في "غ": "البيت".
  3. (٣) ساقط من "غ".
123

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي