وهذه متضمِّنةٌ للنبوَّات الثلاثة: نبوة موسى، ونبوة عيسى، ونبوة محمد ﷺ.
فمجيئه من "سِيْنَا" -وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى ونبَّأه عليه- إخبارٌ عن نبوَّته. وتجلِّيه من ساعير هو مظهر المسيح من بيت٢ المقدس، "وساعير" قرية معروفة هناك إلى اليوم، وهذه بشارة بنبوَّة المسيح. "وفاران" هي مكة.
وشبَّه -سبحانه- نبوةَ موسى بمجيء الصُّبْح، ونبوةَ المسيح بعدها بإشراقه وضيائه، ونبوةَ خاتم الأنبياء بعدهما باستعلاء الشمس وظهور ضوئها في الآفاق. ووقع٣ الأمر كما أخبر به سواء، فإنَّ الله -سبحانه- صَدَعَ بنبوةِ موسى لَيْلَ الكفر، فأضاء فجرُه بنبوتِه، وزاد الضياءُ والإشراقُ بنبوَّةِ المسيح، وكَمُلَ الضِّياءُ واسْتَعْلَنَ، وطبَّق الأرضَ بنبوة محمدٍ -صلوات الله وسلامه عليهم-.
وذِكْرُ هذه النبوَّات الثلاثة -التي اشتملت عليها هذه البشارة- نَظِيْرُ ذِكْرهَا في أول سورة ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ٣﴾[سورة التين: ١ - ٣].
فذَكَر أمكنةَ هؤلاء الأنبياءِ وأرضَهم التي خرجوا منها. والتِّيْن وَالزَّيْتُوْنُ: المراد بهما منبتُهما وأرضُهما، وهي الأرض المقدَّسة التي
(١) العهد القديم، سفر التثنية، الإصحاح (٣٣) فقرة (٢).
(٢) في "غ": "البيت".
(٣) ساقط من "غ".
هي مَظْهَرُ المسيح.
وَطُورُ سِينِيْنَ: الجبل الذي كلَّم الله عليه موسي، فهو مظهر نبوَّتِه.
وهذا البَلَدُ الأَمِيْنُ: مكة١ حَرَمُ الله وأمْنُه، التي هي مظهر نبوَّة٢ محمدٍ -صلوات الله وسلامه عليهم-.
فهذه الثلاثة نظير تلك الثلاثة سواء.
قالت اليهود: "فاران" هي أرض الشام، وليست أرض الحجاز. وليس هذا ببدْعٍ من بَهْتِهم وتحريفهم، وعندهم في التوراة: إن إسماعيل لمَّا فارق أباَه سكن في بَرِّيَّةِ فَارانَ. هكذا نطقتِ التوراةُ٣، ولفظُها: "وأقام إسماعيلُ في بَرِّيَّةِ فَارانَ، وأنكَحَتْهُ أمُّه امرأةً من جُرْهُم"٤.
ولا يشكُّ علماء أهلِ الكتاب أنَّ فَاران مسكنٌ٥ لآل إسماعيل. فقد تضمنت التوراةُ نبوةً تنزل بأرض فَاران، وتضمنتْ نبوةً تنزل علي عظيم من ولد إسماعيل، وتضمنتِ انتشارَ أمته وأتباعِهِ حتي يملؤوا السَّهْل والجبلَ -كما سنذكره إن شاء الله تعالي-.
ولم يَبْقَ بعد هذا شبهةٌ أصلًا: أنَّ هذه نبوةُ محمدٍ ﷺ التي نزلتْ بفاران علي أشرفِ ولد إسماعيل حتي ملأتِ الأرضَ ضياءً ونورًا، وملأ