وكذلك في السِّفْر الأول من التوراة: "إنَّ الله قال لإبراهيم: إني جاعلٌ ابنَك إسماعيلَ لأمةٍ عظيمة؛ إذْ هو مِنْ زَرْعِكَ"١.
وهذه بشارة بمن جُعِلَ مِنْ ولده لأمة عظيمةٍ، وليس هو سوي محمد بن عبد الله الذي هو من صميم ولده، فإنه جعل لأمة عظيمة، ومَنْ تدبَّر هذه البشارةَ جزم بأنَّ المراد بها رسولُ الله ﷺ؛ لأن إسماعيل لم تكن يدُه فوق يد إسحاق قط، وكانت٢ يَدُ إسحاق مبسوطةً إليه بالخضوع. وكيف يكون ذلك وقد كانت النبوَّة والمُلْكُ في إسرائيل٣ والعيص، وهما ابنا إسحاق، فلما بُعِثَ رسولُ الله ﷺ وانتقلت النبوَّةُ إلي ولد إسماعيل، ودانت له الأُمم، وخضعت له الملوك، وجعل خلافة الملك إلي أهل بيته إلي آخر الدهر، وصارت أيديهم فوق أيدي الجميع مبسوطةً إليهم بالخضوع؟
وكذلك (في التوراة)٤ -في السفر الأول-: "إنَّ الله تعالي قال لإبراهيم: إنَّ في هذا العام يولد لك وَلَدٌ اسمُه إسحاق. فقال إبراهيم: ليت إسماعيل هذا يحيا بين يديك يمجِّدك. فقال الله تعالي: قد استجبتُ لك في إسماعيل، وإنّي أباركه وأيمنه٥ وأعظّمه جدًّا جدًّا بما قد استجبتُ فيه، وإني أُصيِّره إلي أمةٍ كثيرة، وأعطيه شعبًا جليلًا"٦.
(١) سفر التكوين، الإصحاح (١٢) فقرة (١٧).
(٢) في "غ": "ولا كانت".
(٣) في "غ": "ولد إسرئيل".
(٤) ساقطة من "غ".
(٥) في "غ": "وأعظمه".
(٦) انظر: سفر التكوين: (١٧/ ١ - ٨).
والمراد بهذا كله: الخارجُ من نسله، فإنه هو الذي عظَّمه الله جدَّا جدَّا، وصيَّره إلي أمة كثيرة، وأعطاه شعبًا جليلًا، ولم يأتِ مِنْ صُلْب إسماعيل مَنْ بُورك وعُظِّم وانطبقت عليه هذه العلامات غيرُ رسولِ الله ﷺ، فأمَّتُهُ ملؤوا الآفاق، وأَرْبَوا في الكثرة على نسل إسحاق١.
(الوجه الرابع): قال (في التوراة)٢ -في السفر الخامس-: "قَالَ موسي لبني إسرائيلَ: لا تُطِيعُوا العَرَّافِيْنَ ولا المُنَجِّمِينَ، فسيقيم لكم الربُّ نبيًّا من إخوتكم مِثْلي، فأطيعوا ذلك النبيَّ"٣.
ولا يجوز أنَّ يكون هذا النبيُّ الموعود به من أنْفُس بني إسرائيل، لما تقدم أنَّ إخوة٤ القوم ليسوا أنْفُسَهم، كما تقول: بَكْرٌ وتَغْلِب (ابنا وائل، ثم تقول تغلب إخوة بكر، وبنو بكر)٥ إخوة بني تغلب، فلو قلتَ: إخوة بني بكر بنو بكر، كان مُحَالًا، ولو قلتَ لرجلٍ: ايْتِني برجلٍ من إخوة بني بكر بن وائل، لكان الواجب أنْ يأتِيَك برجلٍ من بني تغلب بن وائل، لا بواحد من بني بكر٦.
(الوجه الخامس)٧: ما في الإنجيل أن المسيح قال للحواريين:
(١) وانظر في هذه البشارة أيضًا: "تحفة الأريب" ص (٢٥٨ - ٢٦٠).
(٢) ساقطة من "غ".
(٣) سفر التثنية، الإصحاح (١٨)، الفقرات (٩ - ١٣).
(٤) في "غ": "إمرة".
(٥) ساقط من "غ".
(٦) انظر: "بذل المجهود في إفحام اليهود" للسموأل بن يحيي، ص (٧٥ - ٨٦).
(٧) انظر: "الجواب الصحيح" لابن تيمية: (٥/ ٢٨٤ - ٣١٨)، "أعلام رسول الله المنزلة علي رسله" لابن قتيبة لوحة (٥)، "تحفة الأريب" للترجمان، ص (٢٦٦ - ٢٦٩).