هداية الحيارى

أحدها: أنَّه الحامد والحمَّاد، أو الحمد كما تقدم، ورجَّحتْ طائفةٌ هذا القولَ. وقالوا: الذي يقوم عليه البرهان في لغتهم أنه الحمد، والدليل عليه: قول يُوشع: "مَنْ عَمِل حسنةً يكون له فارقليط جيِّد"، أي: حَمْد جيِّد.

والقول الثاني -وعليه أكثر النصاري-: أنَّه المخلِّص، والمسيح نفسه يسمُّونه: المخلِّص. قالوا: وهذه كلمة سريانية معناها المخلِّص١. قالوا: وهو بالسريانية" فاروق" فَجُعِل "فارق". قالوا و"ليط" كلمة تزاد٢، ومعناها كمعني قول العرب: رجل هو، وحجر هو، وفرس هو. قالوا: فكذلك معني (ليط) في السريانية.

وقالت طائفة أخري من النَّصاري: معناه بالسريانية: المعزِّي. قالوا: وكذلك هو في اللسان اليوناني.

ويعترض علي هذين القولين بأنَّ المسيح لم تكن لغته سريانية ولا يونانية بل عبرانية.

وأُجيب عن هذا بأنَّه يتكلم بالعبرانية، والإنجيل إنما نزل باللغة العبرانية وترجم عنه بلغة٣ السِّريانية والرُّومية واليونانية وغيرهما. وأكثر النصاري علي أنه: المخلِّص، والمسيح نفسه يسمُّونه المخلِّص، وفي الإنجيل الذي بأيديهم أنه قال: "إنما أتيت لأخلِّص العالم"٤.

  1. (١) ساقط من "ص".
  2. (٢) في "غ": "يراد بها".
  3. (٣) في "غ" "باللغة".
  4. (٤) إنجيل يوحنا: (١٢/ ٤٧).
131

والنصاري يقولون في صلاتهم: "لقد ولدت لنا مخلِّصًا"١.

ولما لم يمكن النصاري إنكار هذه النصوص حرَّفُوها أنواعًا من التحريف.

فمنهم من قال: هو روح نزلت علي الحواريين.

ومنهم من قال: هو ألسنٌ ناريَّة نزلت من السماء علي التلاميذ، ففعلوا بها الآيات والعجائب.

ومنهم من يزعم أنَّه المسيح نفسه، لكونه جاء بعد الصَّلْب بأربعين يومًا، وكونِهِ قام مِنْ قبره.

ومنهم من قال: لا يُعْرَف ما المراد بهذا الفارقليط ولا يتحقق لنا معناهُ.

ومَنْ تأمَّل ألفاظَ الإنجيل وسياقَها: عَلِمَ أنَّ تفسيره بـ"الروح" باطلٌ. وأبْطَلُ منهُ: تفسيرُه بـ"الألسن الناريَّة"، وأبطل منهما: تفسيره بـ"المسيح"؛ فإنَّ روح القدس ما زالت تنزل علي الأنبياء والصالحين قبل المسيح وبعده، وليست موصوفة بهذه الصفات، وقد قال تعالى:

﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].

وقال النبيُّ ﷺ لحسان بن ثابت لَمَّا كان يهجو المشركين: "اللهمَّ

  1. (١) رسالة يوحنا الأولى: (٤/ ١٤).
132

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي