هداية الحيارى

والنصاري يقولون في صلاتهم: "لقد ولدت لنا مخلِّصًا"١.

ولما لم يمكن النصاري إنكار هذه النصوص حرَّفُوها أنواعًا من التحريف.

فمنهم من قال: هو روح نزلت علي الحواريين.

ومنهم من قال: هو ألسنٌ ناريَّة نزلت من السماء علي التلاميذ، ففعلوا بها الآيات والعجائب.

ومنهم من يزعم أنَّه المسيح نفسه، لكونه جاء بعد الصَّلْب بأربعين يومًا، وكونِهِ قام مِنْ قبره.

ومنهم من قال: لا يُعْرَف ما المراد بهذا الفارقليط ولا يتحقق لنا معناهُ.

ومَنْ تأمَّل ألفاظَ الإنجيل وسياقَها: عَلِمَ أنَّ تفسيره بـ"الروح" باطلٌ. وأبْطَلُ منهُ: تفسيرُه بـ"الألسن الناريَّة"، وأبطل منهما: تفسيره بـ"المسيح"؛ فإنَّ روح القدس ما زالت تنزل علي الأنبياء والصالحين قبل المسيح وبعده، وليست موصوفة بهذه الصفات، وقد قال تعالى:

﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].

وقال النبيُّ ﷺ لحسان بن ثابت لَمَّا كان يهجو المشركين: "اللهمَّ

  1. (١) رسالة يوحنا الأولى: (٤/ ١٤).
132

أيِّدْهُ برُوح القُدُسِ"١ وقال: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ معك ما زلتَ تنافحُ عن نبيِّه"٢.

وإذا كان كذلك، ولم يسمِّ أحدٌ هذه الروحَ "فارقليطًا" عُلِمَ أنَّ الفارقليط أمرٌ غير هذا.

وأيضًا: فمثل هذه الرُّوح لا زالت يؤيَّد بها الأنبياءُ والصَّالحون، وما بشَّر به المسيحُ ووعدَ به أمرٌ عظيم يأتي بعده أعظمُ من هذا.

وأيضًا: فإنَّه وصف الفارقليط بصفاتٍ لا تناسِب هذا الروحَ، وإنما تناسِبُ رجلًا يأتي بعدَهُ نظيرًا له، فإنه قال: "إن كنتم تحبُّوني فاحفظوا وصايايَ وأنا أطلبُ من الأب أن يعطيَكُمْ فارقليطًا آخر يَثْبُتُ معكم إلي الأبد"٣، فقوله "فارقليطًا آخر" دلَّ علي أنه ثانٍ لأولٍ كان قَبْلَه، وأنه لم يكن معهم في حياة المسيح، وإنما يكون بعد ذهابِه وتولِّيه عنهم.

وأيضًا: فإنَّه قال: "يثبت معكم إلي الأبد". وهذا إنما يكون لِمَا يدومُ ويبقي معهم إلي آخر الدهر. ومعلومٌ: أنه لم يُرِدْ بقاءَ ذاتِهِ، فَعُلِمَ أنه بقاء شَرْعِهِ وأمْرهِ، والفارقليط الأول لم يَثْبُتْ معهم شرعُهُ ودينُه إلي الأبد. وهذا يبيِّن أنَّ الثاني صاحبُ شرعٍ لا يُنْسخ، بل يبقي إلي الأبد٤، بخلاف الأول. وهذا إنما ينطبق علي محمدٍ ﷺ.

  1. (١) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: (٦/ ٣٠٤)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضل حسان: (٤/ ١٩٣٥ - ١٩٣٦).
  2. (٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق نفسه.
  3. (٣) إنجيل يوحنا: (١٤/ ١٥).
  4. (٤) هنا يبدأ سقط في "غ" مقداره ورقة، حيث جاء بعد هذا ورقة (٤٨) مكررة وفيها قصة نجران والملاعنة.
133

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي