أيِّدْهُ برُوح القُدُسِ"١ وقال: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ معك ما زلتَ تنافحُ عن نبيِّه"٢.
وإذا كان كذلك، ولم يسمِّ أحدٌ هذه الروحَ "فارقليطًا" عُلِمَ أنَّ الفارقليط أمرٌ غير هذا.
وأيضًا: فمثل هذه الرُّوح لا زالت يؤيَّد بها الأنبياءُ والصَّالحون، وما بشَّر به المسيحُ ووعدَ به أمرٌ عظيم يأتي بعده أعظمُ من هذا.
وأيضًا: فإنَّه وصف الفارقليط بصفاتٍ لا تناسِب هذا الروحَ، وإنما تناسِبُ رجلًا يأتي بعدَهُ نظيرًا له، فإنه قال: "إن كنتم تحبُّوني فاحفظوا وصايايَ وأنا أطلبُ من الأب أن يعطيَكُمْ فارقليطًا آخر يَثْبُتُ معكم إلي الأبد"٣، فقوله "فارقليطًا آخر" دلَّ علي أنه ثانٍ لأولٍ كان قَبْلَه، وأنه لم يكن معهم في حياة المسيح، وإنما يكون بعد ذهابِه وتولِّيه عنهم.
وأيضًا: فإنَّه قال: "يثبت معكم إلي الأبد". وهذا إنما يكون لِمَا يدومُ ويبقي معهم إلي آخر الدهر. ومعلومٌ: أنه لم يُرِدْ بقاءَ ذاتِهِ، فَعُلِمَ أنه بقاء شَرْعِهِ وأمْرهِ، والفارقليط الأول لم يَثْبُتْ معهم شرعُهُ ودينُه إلي الأبد. وهذا يبيِّن أنَّ الثاني صاحبُ شرعٍ لا يُنْسخ، بل يبقي إلي الأبد٤، بخلاف الأول. وهذا إنما ينطبق علي محمدٍ ﷺ.
(١) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: (٦/ ٣٠٤)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضل حسان: (٤/ ١٩٣٥ - ١٩٣٦).
(٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق نفسه.
(٣) إنجيل يوحنا: (١٤/ ١٥).
(٤) هنا يبدأ سقط في "غ" مقداره ورقة، حيث جاء بعد هذا ورقة (٤٨) مكررة وفيها قصة نجران والملاعنة.
وأيضًا: فإنَّه أخبر أنَّ هذا الفارقليط الذي أَخبر به، يشهد له ويعلِّمهم كلَّ شيء وأنه يذكر لهم كلَّ ما قال المسيح، وأنه يوبِّخ العالَم علي خطيئته فقال: "والفارقليط الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلت لكم"، وقال: "إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله هو يشهد أني قلت لكم هذا حتي إذا كان تؤمنوا به، ولا تشكُّوا فيه".
وقال: "إنَّ خيرًا لكم أنْ أنطلِقَ إلي أبي، إن لمِ أذهب لم يأتكم الفارقليط، فإن انطلقتُ أرسلتُهُ إليكم، فهو يوبِّخ العالم علي الخطيئة، فإنَّ لي كلامًا كثيرًا أُريد أنْ أقول لكم ولكنكم لا تستطيعون حَمْلَه، لكن إذا جاء روح الحقِّ ذاك الذي يرشدكم إلي جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عند نفسه بل يتكلَّم بما يسمع ويخبركم بكلِّ ما يأتي ويعرِّفكم جميعَ ما للأب"١.
فهذه الصِّفاتُ والنُّعوتُ التي تَلقَّوها عن المسيح لا تنطبق علي أمرٍ معنويٍّ في قلب بعض الناس لا يراه أحدٌ ولا يسمع كلامه، وإنما تنطبق علي مَنْ يراه الناس ويسمعون كلامه، فيشهد للمسيح، ويعلِّمهم كلَّ شيء، ويذكِّرهم كل ما قال لهم المسيح، ويوبِّخ العالَم علي الخطيئة، ويرشد الناس إلي جميع الحقِّ، ولا يَنْطِقُ مِنْ عنده، بل يتكلَّم بما يَسْمعُ، ويخبرهم بكلِّ ما يأتي، ويعرِّفهم جميعَ ما لربِّ العالمين.
وهذا لا يكون مَلَكًا لا يراه أحدٌ ولا يكون هدي وعِلْمًا في قلب بعض الناس، ولا يكون إلا إنسانًا عظيم القَدْر يخاطب بما أخبر به