المسيح، وهذا لا يكون إلا بشرًا رسولًا، بل يكون أعظمَ مِنَ المسيح؛ فإنَّ المسيح أخبر أنه يقدر علي ما لا يقدر عليه المسيح١، ويعلم ما لا يعلَمُه المسيح، ويخبر بكلِّ ما يأتي وبما يستحقُّه الربُّ، حيث قال: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله، ولكنكم لا تستطيعونَ حَمْلَهُ، ولكن إذا جاء روح الحقِّ، ذاك الذي يرشدكم إلي جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلَّم بما يسمع، ويخبركم بكلِّ ما يأتي، ويعرِّفُكُمْ جميعَ ما للأب"٢.
فلا يستريبُ عاقلٌ أن هذه الصفات لا تنطبقُ إلا علي محمدٍ ﷺ، وذلك لأنَّ الإخبار عن الله بما هو مُتَّصِفٌ به من الصفات، وعن ملائكته، وعن مَلَكُوتِه، وعمَّا أعدَّه في الجنة لأوليائه وفي النار لأعدائه: أمرٌ لا تحتمل عقولُ أكثرِ النَّاس معرفتَهُ علي التفصيل.
قال عليٌّ ﵁: حَدِّثوا النَّاسَ بما يعرفون، ودَعُوا ما يُنْكِرُونَ، أتريدونَ أن يكذب اللهُ ورسولُه٣.
وقال ابن مسعود: ما مِنْ رجل يحدِّث قومًا بحديثٍ لا تبلُغُه عقولُهم إلا كان فتنةً لبعضهم٤.
(٣) أخرجه البخاري في العلم، باب من خصَّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا: (١/ ٢٥٥) دون قولها "وما ينكرون"، وهي عند الخطيب في "الجامع": (٢/ ١٠٨).
(٤) أخرجه مسلم في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع: (١/ ١١).
الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. قال: ما يؤمنك أنْ لو أخبرتُك بها لكفرتَ١؟ يعني: لو أخبرتك بتفسيرها لكفرتَ بها، وكفرك بها تكذيبٌ بها.
فقال لهم المسيح: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أنْ أقولَه لكم، ولكنَّكم لا تستطيعون حَمْلَه".
وهو الصادق المصدوق في هذا، ولهذا ليس في الإنجيل من صفات الله تعالي وصفات مَلَكُوتِه وصفاتِ اليوم الآخر إلا أمورٌ مُجْمَلَة، وكذلك التوراة؛ ليس فيها من ذِكْر اليوم الآخر إلا أمور مجملة، مع أنَّ موسي ﷺ كان قد سهَّل الأمر للمسيح٢. ومع هذا فقد قال لهم المسيح: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أنْ أقولَه لكم ولكنكم لا تستطيعونَ حَمْلَه".
ثم قال: "ولكن إذا جاء روحُ الحقِّ فذاك الذي يُرْشِدُكم إلي جميع الحقِّ، وإنَّه يُخْبِرُكُم بكلِّ ما يأتي، وبجميع ما للربِّ"٣.
فدل هذا علي أنَّ "الفارقليط" هو الذي يفعل هذا دون المسيح، وكذلك كان؛ فإنَّ محمدًا ﷺ أرشد النَّاسَ إلي جميع الحقِّ حتي أكمل اللهُ به الدِّين وأتمَّ به النِّعمة، ولهذا كان خاتَمَ الأنبياءِ؛ فإنَّه لم يبق نبيٌّ يأتي بعده غيره، وأخبر محمد ﷺ بكلِّ ما يأتي من أَشْراط الساعة والقيامة والحساب والصِّراط ووَزْنِ الأعمال، والجنَّةِ وأنواعِ نعيمها، والنَّار وأنواعِ عذابها.