الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. قال: ما يؤمنك أنْ لو أخبرتُك بها لكفرتَ١؟ يعني: لو أخبرتك بتفسيرها لكفرتَ بها، وكفرك بها تكذيبٌ بها.
فقال لهم المسيح: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أنْ أقولَه لكم، ولكنَّكم لا تستطيعون حَمْلَه".
وهو الصادق المصدوق في هذا، ولهذا ليس في الإنجيل من صفات الله تعالي وصفات مَلَكُوتِه وصفاتِ اليوم الآخر إلا أمورٌ مُجْمَلَة، وكذلك التوراة؛ ليس فيها من ذِكْر اليوم الآخر إلا أمور مجملة، مع أنَّ موسي ﷺ كان قد سهَّل الأمر للمسيح٢. ومع هذا فقد قال لهم المسيح: "إنَّ لي كلامًا كثيرًا أريد أنْ أقولَه لكم ولكنكم لا تستطيعونَ حَمْلَه".
ثم قال: "ولكن إذا جاء روحُ الحقِّ فذاك الذي يُرْشِدُكم إلي جميع الحقِّ، وإنَّه يُخْبِرُكُم بكلِّ ما يأتي، وبجميع ما للربِّ"٣.
فدل هذا علي أنَّ "الفارقليط" هو الذي يفعل هذا دون المسيح، وكذلك كان؛ فإنَّ محمدًا ﷺ أرشد النَّاسَ إلي جميع الحقِّ حتي أكمل اللهُ به الدِّين وأتمَّ به النِّعمة، ولهذا كان خاتَمَ الأنبياءِ؛ فإنَّه لم يبق نبيٌّ يأتي بعده غيره، وأخبر محمد ﷺ بكلِّ ما يأتي من أَشْراط الساعة والقيامة والحساب والصِّراط ووَزْنِ الأعمال، والجنَّةِ وأنواعِ نعيمها، والنَّار وأنواعِ عذابها.
(٢) في "ص": "الأرض للمسيح"، وفي "غ": "مهّد الأمر … ".
(٣) إنجيل يوحنا: (١٦/ ١٢ - ١٥).
ولهذا كان في القرآن تفصيل أمرِ الآخرة وذِكْرِ الجنة والنار وما يأتي، أمور كثيرة لا توجد لا في التوراة ولا في الإنجيل، وذلك تصديقُ قولِ المسيح: إنَّه يُخْبِر بكلِّ ما يأتي. وذلك يتضمَّن صِدْقَ المسيح وصِدْقَ محمد ﷺ.
وهذا معني قوله تعالي: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ٣٥ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ٣٦ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ٣٧﴾[الصافات: ٣٥ - ٣٧]. أي: مجيئه تصديقٌ للرُّسل قَبْلَه؛ فإنهم أخبروا بمجيئه، فجاء كما أخبروا به، فتضمن مجيئه١ تصديقَهم، ثم شهد هو بِصِدْقِهِم، فصدَّقهم بقوله ومجيئه.
ومحمدٌ ﷺ بَعَثَهُ الله بين يدي السَّاعة كما قال: "بُعِثْتُ أنا والسَّاعة كهاتين، وأشار بإصبَعَيهِ السبَّابة والوسْطَى"٢.
وكان إذا ذكر الساعة علا صوتُه واحمرَّ وجهه واشتدَّ غضبه. وقال: "أنا النَّذيرُ العُرْيَانُ"٣.
فأخبر من الأمور التي تأتي في المستقبل بما لم يأتِ به نبيٌّ من الأنبياء، كما نَعَتَه به المسيحُ حيث قال: "إنه يخبركم بكلِّ ما يأتي".
(١) ما عدا "غ": "مجيؤه".
(٢) أخرجه البخاري في التفسير، سورة النازعات: (٨/ ٦٩١)، ومسلم في الفتن، باب قرب الساعة: (٤/ ٢٢٦٨).
(٣) أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ: (١٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، ومسلم في الفضائل، باب شفقته علي أمته: (٤/ ١٧٨٨).