فَمَنْ هذا الذي هو روحُ الحقِّ الذي لا يتكلَّم إلا بما يُوحَي إليه؟!.
ومَنْ هو العاقبُ للمسيح، والشَّاهد لما جاء به، والمصدَّق له بمجيئه؟!
ومَنِ الذي أخْبَرَنا بالحوادث في الأزمنة المُسْتَقْبَلَةِ كخروج الدَّجَّال، وظهورِ الدابَّة، وطلوع الشمس من مَغْرِبها، وخروجِ يأجوج ومأجوج، ونزولِ المسيح ابن مريم، وظهورِ النَّار التي تحشُر النَّاس، وأضعاف أضعاف ذلك من الغيوب التي قبل يوم القيامة، والغيوب الواقعة١؛ مِن الصّراطِ، والميزانِ، والحساب، وأخْذِ الكتب بالأيمان والشمائل، وتفاصيل ما في الجنَّة والنَّار ممَّا لم يذكر في التوراة والإنجيل = غير محمد ﷺ٢؟!.
ومَنِ الذي وبَّخ العالَم علي الخطايا سواه؟!
ومَنِ الذي عرَّفَ الأمة ما ينبغي للهِ حقَّ التعريف غيرُه؟!.
ومَنِ الذي تكلَّم في هذا الباب بما لم يُطِقْ أكثر العالَم أن يقبلوه غيره؟ حتي عَجَزَتْ عنه عقولُ كثيرٍ ممَّن صدَّقه وآمن به، فَسَامُوه أنواعَ التَّحريف والتأويل؛ لعجز عقولهم عن حَمْله -كما قال أخوه المسيح صلوات الله عليهما وسلامه-؟!
ومَنِ الذي أُرسل إلي جميع الخلق بالحقِّ قولًا وعملًا واعتقادًا في
(١) في "ص": "الواقعة يوم القيامة".
(٢) هذا جواب سؤاله قبل أسطر: ومن الذي أخبرنا …؟
معرفة الله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله وقضائه وقدره = غيرُه؟!
ومَنْ هو أُرْكون العالَم الذي أتي بعد المسيح = غيرُه؟! "وأُركون العالم" هو عظيم العالَم، وكبير العالَم. وتأمَّلْ قَوْلَ المسيح في هذه البشارة التي لا ينكرونها: "إن أُركون العالم سيأتي وليس لي من الأمر شيء" = كيف هي شاهدة بنبوَّةٍ المسيح ونبوَّةِ محمد معًا؛ فإنّه لمَّا جاءَ صارَ الأمر له دون المسيح. فوَجَبَ علي العالَم كلِّهم طاعتُه والانقيادُ لأمره، وصار الأمرُ له حقيقةً.
ولم يَبْقَ بأيدي النَّصاري إلا دينٌ باطِلُه أضعافُ أضعافِ حقِّه، وحقُّه منسوخٌ بما بَعَثَ اللهُ به محمدًا ﷺ.
فطابقَ قولُ المسيح قولَ أخيه محمدٍ ﷺ: "ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا فيحكم بكتاب ربِّكم"١، وقوله في اللفظ الآخر: "فأمَّكم٢ بكتاب ربِّكم".
فتَطابَقَ٣ قَوْلُ الرَّسولين الكريمين، وبشَّر الأولُ بالثَّاني، وصدَّق الثاني بالأول.
وتأمَّلْ قولَه في البشارة الأخري: "ألَمْ تَرَ إلي الحجر الذي أخَّره البنَّاؤون صار أُسًّا للزاوية"، كيف تجده مطابِقًا لقول النبيِّ ﷺ: "مَثَلِي
(١) أخرجه البخاري بنحوه، في البيوع: (٤/ ٤١٤)، ومسلم في الإيمان: (١/ ١٣٥ - ١٣٦).