هداية الحيارى

معرفة الله وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله وقضائه وقدره = غيرُه؟!

ومَنْ هو أُرْكون العالَم الذي أتي بعد المسيح = غيرُه؟! "وأُركون العالم" هو عظيم العالَم، وكبير العالَم. وتأمَّلْ قَوْلَ المسيح في هذه البشارة التي لا ينكرونها: "إن أُركون العالم سيأتي وليس لي من الأمر شيء" = كيف هي شاهدة بنبوَّةٍ المسيح ونبوَّةِ محمد معًا؛ فإنّه لمَّا جاءَ صارَ الأمر له دون المسيح. فوَجَبَ علي العالَم كلِّهم طاعتُه والانقيادُ لأمره، وصار الأمرُ له حقيقةً.

ولم يَبْقَ بأيدي النَّصاري إلا دينٌ باطِلُه أضعافُ أضعافِ حقِّه، وحقُّه منسوخٌ بما بَعَثَ اللهُ به محمدًا ﷺ.

فطابقَ قولُ المسيح قولَ أخيه محمدٍ ﷺ: "ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا فيحكم بكتاب ربِّكم"١، وقوله في اللفظ الآخر: "فأمَّكم٢ بكتاب ربِّكم".

فتَطابَقَ٣ قَوْلُ الرَّسولين الكريمين، وبشَّر الأولُ بالثَّاني، وصدَّق الثاني بالأول.

وتأمَّلْ قولَه في البشارة الأخري: "ألَمْ تَرَ إلي الحجر الذي أخَّره البنَّاؤون صار أُسًّا للزاوية"، كيف تجده مطابِقًا لقول النبيِّ ﷺ: "مَثَلِي

  1. (١) أخرجه البخاري بنحوه، في البيوع: (٤/ ٤١٤)، ومسلم في الإيمان: (١/ ١٣٥ - ١٣٦).
  2. (٢) في "ص": "فيأتيكم".
  3. (٣) في "ب، ص": "فطابق".
146

ومَثَلُ الأنبياء قبلي كمثل رجلٍ بني دارًا فأكلمَلَها وأتمَّها إلا مَوْضِعَ لَبِنةٍ منها فجعل النَّاس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: هلّا وُضِعَتْ تلك اللَّبِنهٌ؟! فكنتُ أنا تلك اللبنة"١!

وتأمَّل قولَ المسيح في هذه البشارة: "إن ذلك عجيبٌ في أعيننا". وتأمل قولَه فيها: "إن ملكوت الله سَيُؤخَذُ منكم ويُدْفَع إلي أمة أخري" كيف تجده مطابقًا لقوله تعالي: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ١٠٥﴾ [الأنبياء: ١٠٥].

وقولهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ٥٥﴾ [النور: ٥٥].

وتأمَّلْ قولَه في الفارقليط المبشَّر به: "يفشي لكم الأسرار، ويفسِّر لكم كل شيء، فإني أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل" كيف تجده مطابقًا للواقع من كل وجه ولقوله تعالي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].

ولقوله تعالي: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].

وإذا تأملتَ التوراةَ والإنجيلَ والكتبَ، وتأملت القرآنَ وَجَدْتَه كالتفصيل لِمُجْمَلِهَا، والتأويلِ لأمثالها، والشَّرح لرمُوزِها. وهذا

  1. (١) تقدم تخريجه في ص (٣١) من المقدمة.
147

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي