هداية الحيارى

ومَثَلُ الأنبياء قبلي كمثل رجلٍ بني دارًا فأكلمَلَها وأتمَّها إلا مَوْضِعَ لَبِنةٍ منها فجعل النَّاس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: هلّا وُضِعَتْ تلك اللَّبِنهٌ؟! فكنتُ أنا تلك اللبنة"١!

وتأمَّل قولَ المسيح في هذه البشارة: "إن ذلك عجيبٌ في أعيننا". وتأمل قولَه فيها: "إن ملكوت الله سَيُؤخَذُ منكم ويُدْفَع إلي أمة أخري" كيف تجده مطابقًا لقوله تعالي: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ١٠٥﴾ [الأنبياء: ١٠٥].

وقولهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ٥٥﴾ [النور: ٥٥].

وتأمَّلْ قولَه في الفارقليط المبشَّر به: "يفشي لكم الأسرار، ويفسِّر لكم كل شيء، فإني أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل" كيف تجده مطابقًا للواقع من كل وجه ولقوله تعالي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].

ولقوله تعالي: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].

وإذا تأملتَ التوراةَ والإنجيلَ والكتبَ، وتأملت القرآنَ وَجَدْتَه كالتفصيل لِمُجْمَلِهَا، والتأويلِ لأمثالها، والشَّرح لرمُوزِها. وهذا

  1. (١) تقدم تخريجه في ص (٣١) من المقدمة.
147

حقيقةُ١ قولِ المسيح: "أجيئكم بالأمثال ويجيئكم بالتأويل، ويفسِّر لكم كلَّ شيءٍ".

وإذا تأملتَ قولَه: "وكل شيء أعدَّه الله لكم يخبركم به"، وتفاصيل ما أخبر به من الجنَّة والنار، والثواب والعقاب = تَيَقَّنْتَ صِدْقَ الرَّسولين الكريمين، ومُطابقةَ (الأَخبارِ المفصَّلَةِ)٢ من محمدٍ ﷺ للخَبَرِ المُجْمَل من أخيه المسيح.

وتأمَّلْ قولَه في الفارقليط: "وهو يشهدُ لي كما شهدتُ له"٣ كيف تجده منطبقًا علي محمد بن عبد الله، وكيف تجده شاهدًا بصدق الرَّسولين، وكيف تجده صريحًا في رجل يأتي بعد المسيح يشهد له بأنَّه عبدُ اللهِ ورسولُه كما شهد له المسيح؟!

فلقد أذَّن المسيحُ بنبوةِ محمد -صلوات الله وسلامه عليهما- أذانًا لم يُؤَذِّنْهُ نبيٌّ قَبْلَه، وأعلنَ بتكبير ربِّه أن يكون له صاحبةٌ أو ولد، ثم رفع صوتَه بشهادةِ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا، فردًا صمدًا، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم أعلن بشهادة أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الشاهدُ له بنبوَّتِه، المؤيَّدُ بروحِ الحقِّ الذي لا يقول من تلقاء نفسه، بل يتكلم بما يُوحَي إليه، ويعلِّمهم كلَّ شيء ويخبرهم ما أعدَّ الله لهم.

ثم رفع صوته بحيَّ علي الفلاح؛ باتباعه والإيمان به وتصديقه، وأنه

  1. (١) ساقط من "غ".
  2. (٢) في "غ": "الإخبار المفصَّل".
  3. (٣) في الرسالة الأولي إلي أهل كُورِنْثُوس (١٤/ ٢).
148

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي