هداية الحيارى

حقيقةُ١ قولِ المسيح: "أجيئكم بالأمثال ويجيئكم بالتأويل، ويفسِّر لكم كلَّ شيءٍ".

وإذا تأملتَ قولَه: "وكل شيء أعدَّه الله لكم يخبركم به"، وتفاصيل ما أخبر به من الجنَّة والنار، والثواب والعقاب = تَيَقَّنْتَ صِدْقَ الرَّسولين الكريمين، ومُطابقةَ (الأَخبارِ المفصَّلَةِ)٢ من محمدٍ ﷺ للخَبَرِ المُجْمَل من أخيه المسيح.

وتأمَّلْ قولَه في الفارقليط: "وهو يشهدُ لي كما شهدتُ له"٣ كيف تجده منطبقًا علي محمد بن عبد الله، وكيف تجده شاهدًا بصدق الرَّسولين، وكيف تجده صريحًا في رجل يأتي بعد المسيح يشهد له بأنَّه عبدُ اللهِ ورسولُه كما شهد له المسيح؟!

فلقد أذَّن المسيحُ بنبوةِ محمد -صلوات الله وسلامه عليهما- أذانًا لم يُؤَذِّنْهُ نبيٌّ قَبْلَه، وأعلنَ بتكبير ربِّه أن يكون له صاحبةٌ أو ولد، ثم رفع صوتَه بشهادةِ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا، فردًا صمدًا، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم أعلن بشهادة أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الشاهدُ له بنبوَّتِه، المؤيَّدُ بروحِ الحقِّ الذي لا يقول من تلقاء نفسه، بل يتكلم بما يُوحَي إليه، ويعلِّمهم كلَّ شيء ويخبرهم ما أعدَّ الله لهم.

ثم رفع صوته بحيَّ علي الفلاح؛ باتباعه والإيمان به وتصديقه، وأنه

  1. (١) ساقط من "غ".
  2. (٢) في "غ": "الإخبار المفصَّل".
  3. (٣) في الرسالة الأولي إلي أهل كُورِنْثُوس (١٤/ ٢).
148

ليس له من الأمر معه شيء، وختم التأذين بأنَّ ملكوتَ اللهِ سيؤخذ ممَّن كذَّبه ويُدْفَع إلي أتباعه والمؤمنين به، فهَلَكَ من هَلَكَ عن بيِّنة، وعاش من عاش عن بيِّنة، فاستجاب أتباع المسيح حقًّا لهذا التأذين، وأباهُ الكافرونَ والجاحدونَ، فقال تعالي: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥].

وهذه بشارةٌ بأنَّ المسلمين لا يزالونَ فوق النَّصاري إلي يوم القيامة؛ فإن المسلمين هم أتباعُ المرسلين في الحقيقة، وأتباعُ جميع الأنبياء، لا أعداؤه. وأعداؤه عُبَّادُ الصليب الذين رَضُوا أنْ يكونَ إلَهًا مصفوعًا مصلُوبًا مقتولًا، ولم يَرْضَوا أن يكونَ نبيًّا عبدًا لله، وجيها عنده، مقرَّبًا لديه. فهؤلاء أعداؤه حقًّا، والمسلمون أتباعُه حقًّا.

والمقصود: أنَّ بشارة المسيح بالنبيِّ ﷺ فوقَ كلِّ بشارةٍ، لمَّا كان أقربَ الأنبياءِ إليه، وأَوْلاهُمْ به، وليس بينه وبينه نبيٌّ (مرسل صاحب شريعة وكتاب)١.

فصل

وتأمَّلْ قول المسيح: "إن أُرْكُون العالَم سيأتي"، وأُركون العالم: هو سيِّد العالم وعظيمه، ومَنِ الذي سادَ العالَم، وأطاعه العالَمُ بعد المسيح = غيرُ النبيِّ ﷺ؟!.

وتأمل قولَ النبيِّ ﷺ -وقد سئل ما أول أمرك؟ قال-: "أنا دعوة أبي

  1. (١) ساقط من "ب، ج، ص".
149

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي