هداية الحيارى

ليس له من الأمر معه شيء، وختم التأذين بأنَّ ملكوتَ اللهِ سيؤخذ ممَّن كذَّبه ويُدْفَع إلي أتباعه والمؤمنين به، فهَلَكَ من هَلَكَ عن بيِّنة، وعاش من عاش عن بيِّنة، فاستجاب أتباع المسيح حقًّا لهذا التأذين، وأباهُ الكافرونَ والجاحدونَ، فقال تعالي: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥].

وهذه بشارةٌ بأنَّ المسلمين لا يزالونَ فوق النَّصاري إلي يوم القيامة؛ فإن المسلمين هم أتباعُ المرسلين في الحقيقة، وأتباعُ جميع الأنبياء، لا أعداؤه. وأعداؤه عُبَّادُ الصليب الذين رَضُوا أنْ يكونَ إلَهًا مصفوعًا مصلُوبًا مقتولًا، ولم يَرْضَوا أن يكونَ نبيًّا عبدًا لله، وجيها عنده، مقرَّبًا لديه. فهؤلاء أعداؤه حقًّا، والمسلمون أتباعُه حقًّا.

والمقصود: أنَّ بشارة المسيح بالنبيِّ ﷺ فوقَ كلِّ بشارةٍ، لمَّا كان أقربَ الأنبياءِ إليه، وأَوْلاهُمْ به، وليس بينه وبينه نبيٌّ (مرسل صاحب شريعة وكتاب)١.

فصل

وتأمَّلْ قول المسيح: "إن أُرْكُون العالَم سيأتي"، وأُركون العالم: هو سيِّد العالم وعظيمه، ومَنِ الذي سادَ العالَم، وأطاعه العالَمُ بعد المسيح = غيرُ النبيِّ ﷺ؟!.

وتأمل قولَ النبيِّ ﷺ -وقد سئل ما أول أمرك؟ قال-: "أنا دعوة أبي

  1. (١) ساقط من "ب، ج، ص".
149

إبراهيم، وبُشْري١ عيسي"٢. وطابِقْ بين هذا وبين هذه البشارات التي ذكرها المسيح. فمن الذي ساد العالَم باطنًا وظاهرًا، وانقادت له القلوب والأجساد، وأُطِيْع في السرِّ والعلانية، في محياه وبعد مماته في جميع الأعصار، وأفضلِ الأقاليم والأمصار، وسارت دعوته مَسِيرَ الشَّمس، وبلغٍ دينُه ما بلغ الليلُ والنَّهار، وخَرَّتْ لمجيئه الأُمم علي الأذقان، وبَطلتْ به عبادةُ الأوثان، وقامت به دعوةُ الرحمن، واضمحلَّت به دعوة الشيطان، وأذلَّ الكافرين والجاحدين، وأعزَّ المؤمنين وجاء بالحقِّ وصدَّق المرسلين، حتي أعلن بالتوحيد علي رؤوس الأشهاد، وعُبدَ اللهُ وحدَه لا شريك له، في كلِّ حاضرٍ وباد، وامتلأتْ به الأرضُ تحَميدًا وتكبيرًا٣ لله وتهليلًا، وتسبيحًا، واكتستْ به -بعد الظُّلْمِ والظَّلامِ- عَدْلًا ونُورًا.

وطابقْ بين قولِ المسيح: "إن أُركون العالم سيأتيكم"، وقولِ أخيه محمَّدٍ ﷺ: "أنا سيِّدُ وَلَدِ آدم ولا فَخر، آدم فمن دونه تحت لوائي، وأنا خطيبُ الأنبياء إذا وَفَدُوا، وإمامُهُم إذا اجتمعوا، ومبشِّرُهم إذا أَيِسُوا، لواءُ الحمدِ بيدي، وأنا أكرمُ ولدِ آدمَ علي ربيِّ"٤.

  1. (١) في "غ": "وبشَّر بي".
  2. (٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث العرباض بن سارية: (٤/ ١٢٧، ١٢٨). قال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار والطبراني، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح"، "مجمع الزوائد": (٨/ ٢٢٣).
  3. (٣) ساقط من "غ".
  4. (٤) أخرجه الترمذي في المناقب: (٥/ ٥٨٧) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في الزهد: (٢/ ٤٥٠).
150

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي