إبراهيم، وبُشْري١ عيسي"٢. وطابِقْ بين هذا وبين هذه البشارات التي ذكرها المسيح. فمن الذي ساد العالَم باطنًا وظاهرًا، وانقادت له القلوب والأجساد، وأُطِيْع في السرِّ والعلانية، في محياه وبعد مماته في جميع الأعصار، وأفضلِ الأقاليم والأمصار، وسارت دعوته مَسِيرَ الشَّمس، وبلغٍ دينُه ما بلغ الليلُ والنَّهار، وخَرَّتْ لمجيئه الأُمم علي الأذقان، وبَطلتْ به عبادةُ الأوثان، وقامت به دعوةُ الرحمن، واضمحلَّت به دعوة الشيطان، وأذلَّ الكافرين والجاحدين، وأعزَّ المؤمنين وجاء بالحقِّ وصدَّق المرسلين، حتي أعلن بالتوحيد علي رؤوس الأشهاد، وعُبدَ اللهُ وحدَه لا شريك له، في كلِّ حاضرٍ وباد، وامتلأتْ به الأرضُ تحَميدًا وتكبيرًا٣ لله وتهليلًا، وتسبيحًا، واكتستْ به -بعد الظُّلْمِ والظَّلامِ- عَدْلًا ونُورًا.
وطابقْ بين قولِ المسيح: "إن أُركون العالم سيأتيكم"، وقولِ أخيه محمَّدٍ ﷺ: "أنا سيِّدُ وَلَدِ آدم ولا فَخر، آدم فمن دونه تحت لوائي، وأنا خطيبُ الأنبياء إذا وَفَدُوا، وإمامُهُم إذا اجتمعوا، ومبشِّرُهم إذا أَيِسُوا، لواءُ الحمدِ بيدي، وأنا أكرمُ ولدِ آدمَ علي ربيِّ"٤.
(١) في "غ": "وبشَّر بي".
(٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث العرباض بن سارية: (٤/ ١٢٧، ١٢٨). قال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار والطبراني، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح"، "مجمع الزوائد": (٨/ ٢٢٣).
(٣) ساقط من "غ".
(٤) أخرجه الترمذي في المناقب: (٥/ ٥٨٧) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في الزهد: (٢/ ٤٥٠).
فصل
وفي قَوْلِ المسيح في هذه البشارة: "وليس لي من الأمر شيء" إشارةٌ إلي التوحيد وأن الأمر كلَّه لله، فتضمنت هذه البشارة أَصْلَي١ الدِّين: إثباتُ التوحيد، وإثباتُ النبوَّة، وهذا الذي قاله المسيح مطابقٌ لِمَا جاء به أخوه محمدُ بنُ عبد الله عن ربِّه من قوله له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾[آل عمران: ١٢٨]. فمَنْ تأمَّلَ حال الرَّسولين الكريمين ودَعْولهما وجدَهما متوافِقَيْن متطابقين حَذْوَ القُذَّة بالقذة، وأنه لا يمكن التصديق بأحدهما مع التكذيب بالآخر البتَّة، وأن المكذِّب بمحمد ﷺ أشدُّ تكذيبًا للمسيح، الذي هو المسيح ابن مريم عبد الله ورسوله، وإن آمن بمسيحٍ لا حقيقةَ له ولا وجود، وهو أبطل الباطل. وقد قال يوحنا في كتاب "أخبار الحواريين" وهو يسمونه "أفركسيس"٢: "يا أحبابي إيَّاكم أن تؤمنوا بكل روح، لكن مَيِّزوا الأرواح التي مِنْ عند الله من غيرها، واعلموا أنَّ كلَّ روح تؤمن بأن يسوع٣ المسيح قد جاء وكان جسدانيًّا فهي من عند الله، وكل روح لا تؤمن بأن المسيح قد جاء وكان جسدانيّا فليست من عند الله، بل من المسيح الكذَّاب، الذي هو الآن في العالم"٤.
فالمسلمون يؤمنون بالمسيح الصَّادق الذي جاء من عند الله بالهدي ودينِ الحقِّ الذي هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلي مريم العذراء البَتُول. والنَّصاري إنما تؤمن بمسيحٍ دعا إلي عبادة نفسه وأمِّه وأنه ثالث
(١) في "ج": "أصل".
(٢) أي: "أعمال الرسل" من العهد الجديد.
(٣) في "غ": "يشوع".
(٤) "رسالة يوحنا الأولى" من العهد الجديد: (٤/ ١ - ٤).