هداية الحيارى

ثلاثة، وأنه الله وابن الله، وهذا هو أخو المسيح الكذَّاب١ -لو كان له وجود- فإنَّ المسيح الكذاب يزعم أنه الله.

والنصاري في الحقيقة أتباع هذا المسيح، كما أن اليهود إنما ينتظرون خُروجَه، وهم يزعمون أنهم ينتظرون النبيَّ الذي بُشِّروا به، فعوَّضهم الشيطان بعد مجيئه من الإيمان به انتظارًا للمسيح الدجَّال. وهكذا كلُّ مَنْ أعرض عن الحقِّ يُعَوَّض عنه بالباطل.

وأصل هذا: أنَّ إبليس لما أعرض عن السجود لآدم كِبْرًا أن يخضع له تعوض بذلك ذُلَّ القيادة لكلِّ فاسق ومجرم من بنيه، فلا بتلك النخوة ولا بهذه الحرفة. والنَّصاري لما أَنِفُوا أنْ يكون المسيح عبدًا لله تعوَّضوا من هذه الأنفة بأن رضُوا بجعلِه٢ مَصْفَعَةَ اليهود، ومصلوبَهم الذي يسخرون منه ويهزؤون به، ثم عقدوا له تاجًا من الشَّوك بدل تاج الملك، وساقوه في حبل إلي خشبة الصَّلْب يصفقون حوله ويرقصون. فلا بتلك الأنفة له من عبودية الله ولا بهذه النسبة له إلي أعظم الذلِّ والضيق والقهر.

وكذلك أنِفُوا أن يكون للبترك والراهب زوجةٌ أو ولد وجعلوا لله ربِّ العالمين الوَلَدَ، وكذلك أنِفُوا أن يعبدوا الله وحْدَه لا شريك له ويطيعُوا عبدَه ورسولَه، ثم رضوا بعبادةِ الصليب والصُّوَر المصنوعة بالأيدي في الحيطان، وطاعةِ كلِّ مَنْ يحرِّم عليهم ما شاء ويحلِّل لهم ما شاء، ويشرع لهم من الدِّين ما شاء من تلقاء نفسه.

  1. (١) ساقط من "ب، ج، ص".
  2. (٢) في "غ": "أن يجعلوه".
152

ونظيرُ هذا التَّعويضِ: أَنَفَةُ الجَهْمِيَّة١ أن يكون الله -سبحانه- فوق سماواته علي عرشه بائنًا من خلقه حتي لا يكون محصورًا -بزعمهم- في جهة معيَّنة، ثم قالوا: هو في كلِّ مكان بذاته. فحصروه في الآبار والسجونِ والأنجاسِ والأخباثِ، وعوَّضوه بهذه الأمكنةِ عن عرشه المجيد. فليتأملِ العاقلُ لَعِبَ الشيطان بعقول هذا الخلق، وضَحِكَه عليهم، واستهزاءه بهم؟!.

فصل

وقولُ المسيحِ: "إذا انطلقتُ أرسلته إليكم" معناه أني أُرسلُه بدعاء ربي وطلبي منه أن يرسله. كما يطلب الطالب من وليِّ الأمر أن يُرْسلَ رسولًا أو يولِّي نائبًا أو يعطيَ أحدًا، فيقول: أنا أرسلتُ هذا وولَّيتُه وأعطيتُه. يعني أنّي كنت سببًا في ذلك، فإنَّ الله سبحانه إذا قضي أن يكون الشيء فإنه يقدر له أسبابًا يكون بها. ومن تلك الأسباب: دعاءُ بعضِ عباده بأن يفعل ذلك، فيكون في ذلك من النِّعمة إجابةُ دعائه مضافًا إلي نعمته بإيجاد ما قضي كونه. ومحمدٌ قد دعا به الخليل أبوه فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]. مع أنَّ الله -سبحانه- قد قضي بإرساله وأعلن باسمه قبل ذلك، كما قيل له: يا رسول الله: متي كنتَ نبيًّا؟ قال: "وآدمُ بينَ الرُّوحِ والجسد"٢. وقال: "إني عند الله

  1. (١) أتباع الجهم بن صفوان الترمذي، الذين قالوا بنفي الصفات والتعطيل.
  2. (٢) أخرجه الترمذي في المناقب: (١٠/ ٧٨) وقال: "حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، والإمام أحمد: (٤/ ٦٦)، وصححه الحاكم: (٢/ ٦٠٠، ٦٠٩). وانظر: "مجمع الزوائد": (٨/ =
153

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي