لمكتوبٌ خَاتَمُ النبيِّيْن وإِنَّ آدم لَمُنْجَدِلٌ في طِيْنَتِهِ"١.
وهذا كما قضي الله -سبحانه- نَصْرَه يومَ بدرٍ.
ومن أسباب ذلك استعانتُه بربِّه ودعاؤه وابتهالُه بالنَّصر.
وكذلك ما يقضيه من إنزال الغيث قد يجعله بسبب ابتهال عبادِه ودعائِهم وتضرُّعِهِمْ إليه، وكذلك ما يقضيه من مغفرة ورحمةٍ وهدايةٍ ونصرٍ؛ قد يسبب له أدعية يحصل بها ممن ينال ذلك أو من غيره، فلا يمتنع أن يكونَ المسيح سأل ربَّه -بعد صعوده- أنْ يُرْسِلَ أخاه محمدًا إلي العالم، ويكون ذلك من أسباب الرسالة المضافةِ إلي دعوة أبيه إبراهيم، لكنَّ إبراهيم سأل ربَّه أن يُرْسلَه في الدنيا، فلذلك ذكره الله -سبحانه-، وأما المسيح فإنما سأله بعد رَفْعِه وصعودِه إلي السماء.
فصل
وتأمَّلْ قَوْلَ المسيح: "إني لستُ أدَعُكم أيتامًا لأني سآتيكم عن قريب" كيف هو مطابقٌ لقول أخيه محمدِ بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليهما-: "ينزل فيكم ابنُ مريمَ حَكَمًا عَدْلًا، وإمامًا مُقْسِطًا، فيقتلُ
= ٢٣٣)، "صحيح الجامع الصغير وزيادته" للألباني: (٢/ ٨٤٠). وقال السندي: معناه: إني قبل أن يخلق آدم. وقيل: قبل إدخال روحه جسده.
(١) أخرجه الإمام أحمد: (٤/ ١٢٧ - ١٢٨)، وصححه الحاكم: (٢/ ٤١٨)، وابن حبان، ص (٥١٢) من موارد الظمآن، والطبري: (٣/ ٨٣)، والبغوي (١/ ١٠٧). قال الهيثمي: أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد. انظر: "مجمع الزوائد": (٣/ ٢٢٣)، "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي: (١/ ٨٢).
الخِنزيْرَ، ويكسرُ الصَّليبَ، ويَضَعُ الجِزْيةَ"١، وأوصي أمَّته بأن "يقرئه السلام منه من لقيه منهم"٢، وفي حديث آخر: "كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسي في آخرها"٣؟
فصل
وقد تقدَّم نصُّ التوراة "تجلَّي الله من طور سينا، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران"٤، قال علماء الإسلام -وهذا لفظ أبي محمد بن قتيبة٥ -: ليس بهذا خفاء علي من تدبَّره ولا غموض؛ لأن مجيء الله من طور سينا: إنزاله التوراة علي موسي من طور سينا، كالذي هو عند أهل الكتاب وعندنا. وكذلك يجب أن يكون "إشراقه من ساعير": إنزاله الإنجيل علي المسيح، وكان المسيح من "ساعير" أرض الخليل بقرية تدعي "ناصرة"، وباسمها تسمَّي من اتَّبعه٦ "نصاري".
(١) أخرجه البخاري في البيوع: (٤/ ٤١٤)، ومسلم في الإيمان: (١/ ١٣٥ - ١٣٦).
(٢) كما في حديث أنس مرفوعًا: "من أدرك منكم عيسي ابن مريم فليقرئه مني السلام" أخرجه الحاكم: (٥/ ٧٥٥) (دار المعرفة) قال الذهبي: فيه إسماعيل بن عياش وهو ثقة إلا أن روايته هذه عن غير أهل بلده مضطربة.
(٣) أخرجه ابن عساكر: (٢/ ٦٥)، والطبري: (٣/ ٢٠٣). وبنحوه الحاكم في "المستدرك": ٣/ ٤٣، وذكره ابن القيم في "المنار المنيف" ضمن أحاديث في بابه وقوَّى أسانيدها. وانظر: "الحاوي للفتاوي" للسيوطي: (٢/ ٢٨٠).
(٤) انظر فيما سبق ص (١٢٣).
(٥) في كتابه "دلائل النبوة"، أو "أعلام رسول الله المنزَّلة علي رسله" ورقة ٢ مخطوط بالمكتبة الظاهرية. والنص في "الجواب الصحيح" لابن تيمية: (٥/ ١٩٩) وما بعدها.