هداية الحيارى

وكما وجب أن يكون إشراقه من "ساعير" بالمسيح فكذلك يجب أن يكون "استعلانه من جبال فاران": إنزالُه القرآنَ علي محمد ﷺ، وجبالُ فارانَ هي جبالُ مكةَ.

قال١: وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلافٌ في أنَّ فَارانَ هي مكة. فإنِ ادَّعَوا أنها غير مكةَ؛ فليس يُنْكَر ذلك من تحريفِهم وإفكهم.

قلنا: ألَيْسَ في التوراة: "أن إبراهيم أسْكَنَ هاجر وإسماعيل فاران"٢؟!

وقلنا: دلُّونا علي الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبيِّ الذي أنزل عليه كتابًا بعد المسيح؟! أَوَليس "استعلن" و"عَلَن" بمعنىً واحد، وهما ظهر وانكشف، فهل تعلمون دينًا ظهر ظهورَ دينِ الإسلام وفَشَا في مشارق الأرض ومغاربها فشوَّه؟!

قال علماء الإسلام: "وساعير" جبالٌ بالشام منه ظهور نبوة المسيح، وإلي جانبه قرية بيت لحم، القرية التي ولد فيها المسيح، تسمي اليوم "ساعير" ولها جبال تسمي ساعير، وفي التوراة أنَّ نسل العيص كانوا سكانًا بساعير، وأمر الله موسي أنْ لا يؤذيهم.

قال شيخ الإسلام٣: وعلي هذا فيكون قد ذكر الجبال الثلاثة: "حراء" الذي ليس حولَ مكةَ أعلي منه، وفيه ابْتُدِيءَ رسولُ الله ﷺ بنزول الوحي عليه، وحولَه جبالٌ كثيرة، وذلك المكان يسمي فاران إلى هذا

  1. (١) أي: ابن قتيبة. انظر: "أعلام رسول الله المنزلة علي رسله" لوحة (٣).
  2. (٢) انظر: العهد القديم، سفر التكوين: (٢١/ ٢١).
  3. (٣) انظر: "الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح" لابن تيمية: (٥/ ٢٠٢) وما بعدها.
156

اليوم. والبريَّةُ التي بين مكةَ وطورِ سينا تسمي بريَّة فَارانَ ولا يمكن أحدًا أن يدَّعي أنه بعد المسيح نزل كتابٌ في شيء من تلك الأرض ولا بُعِثَ نبيٌ. فعُلِمَ أنه ليس المراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمد ﷺ، وهو -سبحانه- ذكر هذا في التوراة علي ترتيب الزمان١؛ فذكر إنزالَ التوراةِ ثم الإنجيل، ثم القرآن. وهذه الكتب نور الله وهُداه، وقال في الأول: "جاء وظهر"، وفي الثاني: "أشرق"، وفي الثالث: "استعلن"؛ فكان مجيءُ التوراة مثل طلوع الفجر، ونزولُ الإنجيل مثل إشراق الشمس، ونزولُ القرآن بمنزلة ظهور الشمس في السماء. ولهذا قال: "واستعلن من جبال فاران" فإنَّ محمدًا ﷺ ظهر به نور الله وهداه في مشرق الأرض ومغربها أعْظَمَ مما ظهر بالكتابين المتقدِّمَيْن، كما يظهر نور الشمس في مشارق الأرض ومغاربها إذا استعلنت وتوسَّطتِ السماءَ٢، ولهذا سمَّاه الله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]. وسمى الشمس: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣] والخَلْقُ يحتاجون إلي السراج المنير أعْظمَ من حاجتهم إلي السراج الوهَّاج، فإن هذا يحتاجون إليه في وقت دون وقت، وأمَّا السراج المنير فيحتاجون إليه كلَّ وقت، وفي كل مكان، ليلًا ونهارًا، سرًّا وعلانيةً.

وقد ذكر الله تعالي هذه الأماكن الثلاثة في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣] فالتين والزيتون: هو في الأرض المقدَّسة التي بُعِثَ منها المسيح، وأُنزل عليه فيها الإنجيل، وطور سينين: وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسي تكليمًا وناداه من

  1. (١) في "غ": "الترتيب الزماني".
  2. (٢) ساقط من "ب، ص، غ".
157

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي