هداية الحيارى

شرِّ الخلق وأفجرهم وأكفرهم، فهذا لا تقع البشارة بِمُلْكِه وإنما يقع التحذير من فتنته كما وقع التحذير من فتنة الدجَّال، بل هذا شرٌّ من سنحاريب وبختنصر، والملوك الظَّلَمة الفجرة الذين يَكْذِبُون١ علي الله، فالأخبار لا تكون بشارة، ولا تفرح به هاجر وإبراهيم، ولا بشَّر أحدٌ٢ بذلك، ولا يكون ذلك إثابة لها من خضوعها وذُلّها وأن الله قد سمع ذلك ويعظِّم هذا المولود ويجعله لأمة عظيمة، وهذا عند الجاحدين بمنزلة أن يقال: إنكِ ستلدين جبارًا ظالمًا طاغيًا، يقهر الناس بالباطل، ويقتل أولياء الله، ويَسْبِي حَرِيْمَهُم، ويأخذ أموالَهم بالباطل، ويبدِّل أديانَ الأنبياء، ويكذبُ علي الله، ونحو ذلك.

فمن حملَ هذه البشارةَ علي هذا فهو من أعظم الخَلْق بُهْتانًا وفِرْيةً علي الله، وليس هذا بمُسْتنكَرٍ لأمة الغضب، وقَتَلَةِ الأنبياء، وقومِ البَهْتِ٣.

(الوجه السابع): قول داود في الزبور٤: "سَبِّحوا الله تسبيحًا جديدًا، ليفرحْ إسرائيل بخالقه، وبيوت٥ صهيون من أجل أنّ الله اصطفي له أمته وأعطاه النصر، وسدَّد الصالحين بالكرامة يسبِّحون علي مضاجعهم، ويكبِّرون الله بأصواب مرتفعةٍ بأيديهم سيوف ذات شفرتين،

  1. (١) في "غ": "لم يكذبوا".
  2. (٢) في "غ": "من أخبر".
  3. (٣) هذا الوجه السادس منقول من "الجواب الصحيح": (٥/ ٢٢٣ - ٢٢٥).
  4. (٤) وهذا الوجه أيضًا من "الجواب الصحيح": (٥/ ٢٢٦) وما بعدها. وانظر: "أعلام رسول الله" لابن قتيبة، لوحة (٤).
  5. (٥) في "غ": "ويتوب".
162

وينتقم١ بهم من الأمم الذين لا يعبدونه٢، يُوثِقُون ملوكَهم بالقيود، وأشرافَهم بالأغلالِ"٣.

وهذه الصفات إنما تنطبق علي محمد وأمته، فهم الذين يكبِّرون الله بأصواتهم مرتفعة في أذانهم للصلوات الخمس وعلي الأماكن العالية، قال جابر: "كنَّا مع النبيِّ ﷺ إذا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، وإذا هبطنا سَبَّحْنَا"٤. فوُضِعَتِ الصلاةُ علي ذلك. وهم٥ يكبِّرون الله بأصواتٍ عالية مرتفعةٍ في الأذان، وفي عيد الفطر، وعيد النَّحْر، وفي عشر ذي الحجة، وعقيب الصلوات في أيام مِنًى.

وذَكَر البخاريُّ عن عمر بن الخطاب أنه كان يكبِّر بمني فيسمعه أهل المسجد فيكبِّرون بتكبيره، فيسمعهم٦ أهْلُ الأسواق فيكبِّرون، حتي ترتجَّ منى تكبيرًا٧.

وكان أبو هريرةَ وابنُ عُمر يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبِّران ويكبِّر الناسُ بتكبيرهما٨، ويكبِّرون أيضًا علي قَرَابِيْنهم وضحاياهم، وعند رَمْي الجِمَار، وعلي الصَّفا والمَرْوَة، وعند محاذاة الحَجَر الأسْوَد،

  1. (١) في "غ": "لينتقم".
  2. (٢) في "غ": "يعبدون".
  3. (٣) العهد القديم، المزامير: (١٤٩/ ١ - ٨).
  4. (٤) أخرجه البخاري في الجهاد، باب التكبير إذا علا شرفًا: (٦/ ١٣٥).
  5. (٥) في "غ": "فهم".
  6. (٦) في "غ": "فيسمعونهم".
  7. (٧) أخرجه البخاري في العيدين، باب التكبير أيام منى: (٢/ ٤٦١).
  8. (٨) أخرجه البخاري تعليقًا في العيدين، باب فضل العمل أيام التشريق: (١/ ٤٥٧).
163

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي