هداية الحيارى

وينتقم١ بهم من الأمم الذين لا يعبدونه٢، يُوثِقُون ملوكَهم بالقيود، وأشرافَهم بالأغلالِ"٣.

وهذه الصفات إنما تنطبق علي محمد وأمته، فهم الذين يكبِّرون الله بأصواتهم مرتفعة في أذانهم للصلوات الخمس وعلي الأماكن العالية، قال جابر: "كنَّا مع النبيِّ ﷺ إذا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، وإذا هبطنا سَبَّحْنَا"٤. فوُضِعَتِ الصلاةُ علي ذلك. وهم٥ يكبِّرون الله بأصواتٍ عالية مرتفعةٍ في الأذان، وفي عيد الفطر، وعيد النَّحْر، وفي عشر ذي الحجة، وعقيب الصلوات في أيام مِنًى.

وذَكَر البخاريُّ عن عمر بن الخطاب أنه كان يكبِّر بمني فيسمعه أهل المسجد فيكبِّرون بتكبيره، فيسمعهم٦ أهْلُ الأسواق فيكبِّرون، حتي ترتجَّ منى تكبيرًا٧.

وكان أبو هريرةَ وابنُ عُمر يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبِّران ويكبِّر الناسُ بتكبيرهما٨، ويكبِّرون أيضًا علي قَرَابِيْنهم وضحاياهم، وعند رَمْي الجِمَار، وعلي الصَّفا والمَرْوَة، وعند محاذاة الحَجَر الأسْوَد،

  1. (١) في "غ": "لينتقم".
  2. (٢) في "غ": "يعبدون".
  3. (٣) العهد القديم، المزامير: (١٤٩/ ١ - ٨).
  4. (٤) أخرجه البخاري في الجهاد، باب التكبير إذا علا شرفًا: (٦/ ١٣٥).
  5. (٥) في "غ": "فهم".
  6. (٦) في "غ": "فيسمعونهم".
  7. (٧) أخرجه البخاري في العيدين، باب التكبير أيام منى: (٢/ ٤٦١).
  8. (٨) أخرجه البخاري تعليقًا في العيدين، باب فضل العمل أيام التشريق: (١/ ٤٥٧).
163

وفي أدبارِ الصَّلوات الخمس.

وليس هذا لأحدٍ من الأمم -لا أهل الكتاب ولا غيرهم- سواهم، فإنَّ اليهود يَجْمعون الناس بالبُوق، والنَّصاري بالناقوس، وأما تكبيرُ الله بأصوات مرتفعة، فشعار محمدِ بنِ عبد الله وأمَّتِه.

وقوله: "بأيديهم سيوف ذات شفرتين" فهي السيوف العربيةُ التي فتح الصحابةُ بها البلادَ، وهي إلى اليوم معروفة لهم.

وقوله: "يسبِّحون علي مضاجعهم" هو نعت للمؤمنين ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].

ومعلوم قطعًا: أنَّ هذه البشارة لا تنطبق علي النصاري ولا تناسبهم، فإنهم لا يكبِّرون الله بأصوات مرتفعة، ولا بأيديهم سيوفٌ ذات شفرتين ينتقم الله بهم من الأمم. والنصاري تعيب مَنْ يقاتل الكفَّار بالسيف، وفيهم من يجعل هذا من أسباب التنفير عن محمد ﷺ، ولجهلهم وضلالهم لا يعلمون أنَّ موسي قاتل الكفَّار، وبعده يوشع بن نون، وبعده داود وسليمان وغيرهم من الأنبياء، وقبلهم إبراهيم الخليل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-.

(الوجه الثامن)١: قول داود: "ومن أجل هذا باركَ اللهُ عليك إلى الأبد، فتقلَّدْ أيها الجبارُ السيفَ، لأنَّ البهاءَ لوجهك، والحمد الغالب عليك، اركب كلمة الحق، وسَمْت التألُه، فإنَّ ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك، وسهامك مسنونة، والأمم يخرُّون تحتك"٢.

  1. (١) هذا الوجه أيضًا من "الجواب الصحيح": (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
  2. (٢) العهد القديم، المزمور: (٤٥/ ٢ - ٥).
164

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي