وأنقذَ الضعفاءَ من الجبَّارين، وهذا بخلاف المسيح؛ فإنه لم يتمكَّنْ هذا التَّمَكُن في حياته١، ولا مَنِ اتَّبعه بعد رَفْعِه إلى السماء، ولا حَازُوا ما ذكر، ولا يُصلُّون عليه ويُبَاركونَ في اليوم والليلة، فإن القوم يَدَّعون إلاهِيَّتَهُ ويصلُّون له.
(الوجه العاشر)٢: قوله في مزمور آخر: "لترتاحَ البَوادي وقُراها ولتصير أرضُ قِيْدَار مروجًا، ولتسبِّح سكانُ الكهوف ويهتفوا من قُلَلِ الجبال بحمد الربِّ، ويذيعوا تسابيحه في الجو"٣.
فَمَنْ أهلُ البوادي من الأمم سوي أمةِ محمدٍ؟ ومَنْ "قِيْدَار"٤ غير ولد إسماعيل أحد أجداده ﷺ؟ ومَنْ سُكَّان الكهوف وقُلَلِ الجبال سوي العرب؟ ومَنْ هذا الذي دام ذِكْرُه إلى الأبد غيره؟!.
(الوجه الحادي عشر)٥: قوله في مزمور آخر: "إنَّ ربَّنا عظَّم محمودًا جدًّا"٦، وفي مكان آخر: "إلهنا قُدُّوس، ومحمد قد عمَّ الأرض كلَّها فرحًا"٧. فقد نصَّ داود علي اسم محمد وبلده، وأنَّ كلمته قد عمَّتِ الأرض.
(١) في "غ": "كتابه".
(٢) انظر أيضًا: "الجواب الصحيح": (٥/ ٢٤٥).
(٣) سفر أشعياء: (٤٢/ ١٠ - ١٣).
(٤) جاء في "قاموس الكتاب المقدس" ص (٧٥١): قيدار: اسم سامي معناه: قدير أو أسود. وهو ابن إسماعيل. وهو أب لأشهر قبائل العرب، وتسمي بلادهم أيضًا: بلاد قيدار.
(٥) انظر: "الجواب الصحيح": (٥/ ٢٣٩).
(٦) المزامير، المزمور: (٤٨/ ١).
(٧) المزمور (٤٨/ ٣ و٢٤).
(الوجه الثاني عشر): قوله في الزَّبور لداود: "سَيُولَد لك ولدٌ أُدْعَي له أبًا ويُدْعَي لي ابنًا. اللهمَّ ابعثْ جَاعلَ السُّنَّة كي يعلِّم الناس أنه بشرٌ"١.
وهذه أخبارٌ عن المسيح ومحمد ﷺ قبل ظهورهما بزمن طويل. يريد: ابعث محمدًا حتي يعلم الناس أن المسيح بشر ليس إلهًا، وأنه ابن البشر لا ابن خالق البشر، فبعث الله هادي الأمة وكاشف الغُمَّة فبيَّن للأُمم حقيقة أمر المسيح وأنه عبدٌ كريمٌ ونبيٌّ مُرْسَل، لا كما ادَّعَتْه فيه النَّصاري، ولا كما رَمَتْه به اليهود.
(الوجه الثالث عشر)٢: قوله في نبوة إشعياء: "قيل لي: قم نظَّارًا فانظر ما ترى تخبر٣ به، قلت: أري راكِبَيْن مُقْبِلَيْن؛ أحدهما علي حمار. والآخر علي جمل، يقول أحدهما لصاحبه: سقطتْ بابل وأصنامُها للبحر"٤.
وصاحب الحمار عندنا وعند النصارى هو٥ المسيح، وراكب الجمل هو محمد صلوات الله وسلامه عليهما، وهو أشهر بركوب الجمل من المسيح بركوب الحمار، وبمحمد ﷺ سقطت أصنام بابل لا بالمسيح، ولم يزل في إقليم بابل من يعبد الأوثان من عهد إبراهيم
(١) المزامير: (٨٩/ ٢٦) دون بعض العبارات.
(٢) انظر: "الجواب الصحيح": (٥/ ٢٤٩)، "أعلام رسول الله المنزلة" لابن قتيبة، لوحة (٤).