هداية الحيارى

والطَّيْش، والاعتدالُ بين ذلك١.

وقوله: "أنزل عليه روحي" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]. وقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]. فسمَّى الوحي روحًا؛ لأن حياة القلوب والأرواح به، كما أنَّ حياة الأبدان بالأرواح.

وقوله: "فيُظْهِرُ في الأُمم عَدْلي" مطابق قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، وقوله عن أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢].

وقوله: "يُوصِي الأُمم بالوصايا" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وقوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ١٥١﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

ثم قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ

  1. (١) في "د" زيادة: "غير منكر".
176

عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣].

ووصاياه ﷺ هي عهودُه إلى الأمة بتقوى الله وعبادته وحده لا شريك له، والتمسُّكِ بما بعثه الله به من الهدى ودين الحق، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه.

وقوله: "ولا تسمع صوته" يعني ليس بصخَّاب له فديد١ كحال من ليس له حِلْم ولا وَقَارٌ.

وقوله: "يفتح العيونَ العُمْيَ والآذان الصُّمَّ والقلوب الغُلْفَ" إشارة إلى تكميل مراتب العلم والهدى الحاصل بدعوته في القلوب والأبصار والأسماع، فباينوا بذلك أحوال الصُّمِّ البُكْمِ العُمْي الذين لهم قلوب لا يعقلون بها، فإنَّ الهدى يصل إلى العبد من هذه الأبواب الثلاثة، وهي مغلقة عن كل أحد لا تفتح إلا على أيدي الرسِل، ففتح الله بمحمد ﷺ الأعْيُنَ العُمْيَ فأبصرتْ بالله، والآذانَ الصُّمَّ فسَمِعتْ عن الله، والقلوبَ الغُلْفَ فعقلتْ عن الله، فانقادت لطاعته عقلًا وقولًا وعملًا، وسلكتْ سبل مرضاته ذُللًا.

وقوله: "وما أعطيه فلا أعطي غيره" مطابق لقوله ﷺ: "أُعطِيْتُ ما لم يُعْطَ أحدٌ من الأنبياء قبلي"٢ ويقول الملائكة لَمَّا ضربوا له المثل: "لقد أُعطي هذا النبيُّ ما لم يعط نبيٌّ قبله؛ إنَّ عَيْنَيْهِ تَنامَانِ وقَلْبُه يَقْظَانُ"٣.

  1. (١) فديد: صوت شديد وجَلَبَة.
  2. (٢) أخرجه البخاري في التيمم: (١/ ٤٣٦)، ومسلم في المساجد: (١/ ٣٧٠ - ٣٧١).
  3. (٣) أخرجه الترمذي في الأمثال؛ باب ما جاء في مثل الله ﷿ لعباده: (٨/ =
177

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي