ووصاياه ﷺ هي عهودُه إلى الأمة بتقوى الله وعبادته وحده لا شريك له، والتمسُّكِ بما بعثه الله به من الهدى ودين الحق، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه.
وقوله: "ولا تسمع صوته" يعني ليس بصخَّاب له فديد١ كحال من ليس له حِلْم ولا وَقَارٌ.
وقوله: "يفتح العيونَ العُمْيَ والآذان الصُّمَّ والقلوب الغُلْفَ" إشارة إلى تكميل مراتب العلم والهدى الحاصل بدعوته في القلوب والأبصار والأسماع، فباينوا بذلك أحوال الصُّمِّ البُكْمِ العُمْي الذين لهم قلوب لا يعقلون بها، فإنَّ الهدى يصل إلى العبد من هذه الأبواب الثلاثة، وهي مغلقة عن كل أحد لا تفتح إلا على أيدي الرسِل، ففتح الله بمحمد ﷺ الأعْيُنَ العُمْيَ فأبصرتْ بالله، والآذانَ الصُّمَّ فسَمِعتْ عن الله، والقلوبَ الغُلْفَ فعقلتْ عن الله، فانقادت لطاعته عقلًا وقولًا وعملًا، وسلكتْ سبل مرضاته ذُللًا.
وقوله: "وما أعطيه فلا أعطي غيره" مطابق لقوله ﷺ: "أُعطِيْتُ ما لم يُعْطَ أحدٌ من الأنبياء قبلي"٢ ويقول الملائكة لَمَّا ضربوا له المثل: "لقد أُعطي هذا النبيُّ ما لم يعط نبيٌّ قبله؛ إنَّ عَيْنَيْهِ تَنامَانِ وقَلْبُه يَقْظَانُ"٣.
(١) فديد: صوت شديد وجَلَبَة.
(٢) أخرجه البخاري في التيمم: (١/ ٤٣٦)، ومسلم في المساجد: (١/ ٣٧٠ - ٣٧١).
(٣) أخرجه الترمذي في الأمثال؛ باب ما جاء في مثل الله ﷿ لعباده: (٨/ =
فمن ذلك أنه بُعث إلى الخلق عامة، وخُتم به ديوان الأنبياء، وأنزل عليه القرآن الذي لمَ ينزل من السماء كتاب يشبهه ولا يقاربه، وأنزل على قلبه محفوظًا متلوًّا، وضمن له حفظه إلى أن يأتي الله بأمره، وأُوتي جوامع الكلم، ونُصر بالرُّعْب في قلوب أعدائه وبينهما مسيرة شهر، وجُعلَت صفوف أمتَه في الصلاة على مثال صفوف الملائكة في السماء، وجُعَلَت الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا، وأسْرِي به إلى أن جاوز السمَاوات السبع ورأى ما لم يَرَهُ بشرٌ قبله، ورُفع على سائر النبيين، وجُعل سيدَ ولد آدم، وانتشرت دعوته في مشارق الأرض ومغاربها، واتَّبعَه على دينه أتباعٌ أكثر من أتباع سائر النبيِّين من عهد نوح إلى المسيح، فأمَّتُه ثلثا أهل الجنة، وخصه بالوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة، وبالمقام المحمود الذي يَغْبطه به الأولون والآخرون، وبالشفاعة العظمى التي يتأخر عنها آدم ونوح وَإبراهيم وموسى وعيسى، وأعزَّ الله به الحقَّ وأهله عزًّا لم يُعزَّه بأحدٍ قبلَه١. وأذلَّ به الباطل وحزبه ذلاًّ لم يحصل بأحدٍ قَبله.
وآتاه من العلم والشجاعة والصبر٢، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والعبادات القلبية والمعارف الإلهية ما لم يُؤْتَهُ نبيٌّ قبله، وجُعِلت الحسنة منه ومن أمته بعشر أمثالها٣ إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف
= ١٥٦ - ١٥٨) وقال: "حديث حسن غريب من هذا الوجه". والدارمي في المقدمة: (١/ ٧)، والإمام أحمد: (١/ ٣٩٩).
(١) هذه الجملة من الخصائص والفضائل وردت بها أحاديث صحيحة كثيرة.
(٢) في "غ": "والصبر والسماحة"، وفي "ج": "السماحة والزهد".