هداية الحيارى

وكثرة أعدائه واجتماع أهل الأرض على حربه، بل هو أقوى الخلق وأثبتُهِم جأشًا وأشجعُهم قلبًا، حتى إنه يوم أحد قُتِلَ أصحابُه وجُرِحوا، وما ضعُف ولا استكان، بل خرج من الغد في طلب عدوِّه -على شدة القرح- حتى أَرْعَبَ منه العدو وكرَّ خاسئًا على كثرة عَددِهم وعُدَدِهم وضَعفِ أصحابه، وكذلك يوم حُنَيْنٍ؛ أفرد عن الناس في نَفَرٍ يسير دون العشرة، والعدو قد أحاطوا به، وهم ألوف مؤلَّفة فجعل يثب١ في العدو ويقول:

أَنَا النبيُّ لا كَذِبْأَنَا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ

ويتقدم إليهم، ثم أخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فولَّوا منهزمين٢.

ومَنْ تأمَّل سيرتَه وحروبَه عَلِمَ أنّه لم يطرق العالَمَ أشجعُ منه ولا أثبت ولا أصبر، وكان أصحابُه -مع أنَّهم أشجعُ الأمم- إذا حَمِي البَأْسُ واشتدَّ الحرب اتَّقوا به وتتَرَّسُوا به فكان أقربُهم إلى العدو، وأشجَعُهم هو الذي يكون قريبًا منه٣.

وقوله: "ولا يميل إلى اللهو"، هكذا كانت سيرته، كان أَبْعَدَ الناس من اللهو واللعب، بل أمْرُه كلّه جد وحزم وعزم، مجلسه مجلس حياءٍ وكَرَمٍ وعلمٍ وإيمان ووقار وسكينة.

  1. (١) في "ب، ج": "يثبت".
  2. (٢) أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب من قال خذها وأنا ابن فلان: (٦/ ١٦٤)، ومسلم في الجهاد والسير، باب غزوة حنين: (٣/ ١٤٠٠).
  3. (٣) أخرجه مسلم في الموضع السابق: (٣/ ١٤٠١).
180

وقوله: "ولا يسمع في الأسواق صوته" أي ليس من الصاخبين في الأسواق في طلب الدنيا والحرص عليها كحال أهلها الطالبين لها.

وقوله: "ركن للمتواضعين" فإنَّ مَنْ تأمل سيرته وجده أعْظَم الناس تواضعًا للصغير والكبير والمسكين والأرملة والحر والعبد؛ يجلس معهم على التراب، ويُجيب دعوتَهم، ويَسمع كلامَهم، ويَنطلق مع أحدهمِ في حاجته، ويأخذ له حقَّه ممَّن لا يستطيع أن يُطالبه به، (ويَخْصِف نَعْله، ويَخِيط ثوبه)١.

وقوله: "وهو نور الله الذي لا يُطفأ ولا يخصم حتى يثبت في الأرض حجته وينقطع به العذر" وهذا مطابق لحاله وأمره، ولِمَا شهد به القرآن في غير موضع كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].

وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦].

وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ١٥ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].

وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].

وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ونظائرُه في القرآن كثيرة.

  1. (١) في "غ": "ويخصف لأحدهم نعله ويخيط له ثوبه".
181

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي