هداية الحيارى

وقوله: "ولا يسمع في الأسواق صوته" أي ليس من الصاخبين في الأسواق في طلب الدنيا والحرص عليها كحال أهلها الطالبين لها.

وقوله: "ركن للمتواضعين" فإنَّ مَنْ تأمل سيرته وجده أعْظَم الناس تواضعًا للصغير والكبير والمسكين والأرملة والحر والعبد؛ يجلس معهم على التراب، ويُجيب دعوتَهم، ويَسمع كلامَهم، ويَنطلق مع أحدهمِ في حاجته، ويأخذ له حقَّه ممَّن لا يستطيع أن يُطالبه به، (ويَخْصِف نَعْله، ويَخِيط ثوبه)١.

وقوله: "وهو نور الله الذي لا يُطفأ ولا يخصم حتى يثبت في الأرض حجته وينقطع به العذر" وهذا مطابق لحاله وأمره، ولِمَا شهد به القرآن في غير موضع كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].

وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦].

وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ١٥ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].

وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].

وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ونظائرُه في القرآن كثيرة.

  1. (١) في "غ": "ويخصف لأحدهم نعله ويخيط له ثوبه".
181

وقوله: "حتى ينقطع به العذر وتثبت به الحجة" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ -إلى قوله- ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ٥ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ١ - ٦].

وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].

وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ١٥٦ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٦، ١٥٧]. فالحجة إنما قامت على الخلق بالرسل، وبهم انقطعت المعذرة، فلا يمكن من بلغتْه دعوتُهم وخالَفَها أنْ يعتذر١ إلى الله يوم القيامة؛ إذْ ليس له عذر يُقْبَل منه.

وهذه البشارة مطابقة لما في "صحيح البخاري" أنه قيل لعبد الله بن عَمْرو: أخبِرْنا ببعض صفات رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: "إنه لموصوفٌ في التوراةِ ببعضِ صفتِه في القرآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزًا للأمّيِّيْن، أنت عَبْدِي ورَسُولي سَمَّيْتك المتوكِّلَ، ليس بِفظٍّ ولا غليظٍ ولا سَخَّابٍ بِالأسوَاقِ، ولا يَجْزِي بالسيِّئةِ السَّيئةَ ولكن يَجْزِي بالسيِّئةِ الحَسَنَةَ ويَعْفُو ويَغْفِرُ، ولَنْ أَقْبضَهُ حتى أُقِيْمَ بهِ المِلَّةَ العَوجَاءَ، فأفتحُ به أَعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلوبًا غُلْفًا = بأن

  1. (١) في "غ": "يعذر".
182

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي