هداية الحيارى

وقوله: "حتى ينقطع به العذر وتثبت به الحجة" مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ -إلى قوله- ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ٥ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ١ - ٦].

وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].

وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ١٥٦ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٦، ١٥٧]. فالحجة إنما قامت على الخلق بالرسل، وبهم انقطعت المعذرة، فلا يمكن من بلغتْه دعوتُهم وخالَفَها أنْ يعتذر١ إلى الله يوم القيامة؛ إذْ ليس له عذر يُقْبَل منه.

وهذه البشارة مطابقة لما في "صحيح البخاري" أنه قيل لعبد الله بن عَمْرو: أخبِرْنا ببعض صفات رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: "إنه لموصوفٌ في التوراةِ ببعضِ صفتِه في القرآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزًا للأمّيِّيْن، أنت عَبْدِي ورَسُولي سَمَّيْتك المتوكِّلَ، ليس بِفظٍّ ولا غليظٍ ولا سَخَّابٍ بِالأسوَاقِ، ولا يَجْزِي بالسيِّئةِ السَّيئةَ ولكن يَجْزِي بالسيِّئةِ الحَسَنَةَ ويَعْفُو ويَغْفِرُ، ولَنْ أَقْبضَهُ حتى أُقِيْمَ بهِ المِلَّةَ العَوجَاءَ، فأفتحُ به أَعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلوبًا غُلْفًا = بأن

  1. (١) في "غ": "يعذر".
182

يقولوا: لا إله إلا الله"١.

وقوله: "إنَّ هذا في التوراة" لا يريد به التوراة المعيَّنة التي هي كتاب موسى؛ فإنَّ لفظ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور: يُرَاد به الكتب المعيَّنة تارةً، ويُراد به الجنس تارةً. فيعبَّر بلفظ القرآن عن الزبور، وبلفظ التوراة عن القرآن، وبلفظ الإنجيل عن القرآن أيضًا. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: "خُفِّفَ على دَاوُدَ ﵇ القُرآنُ فكانَ مَا بينَ أنْ تُسْرَجَ دَابتُّه إلى أنْ يَرْكَبَها يقرأ القُرْآنَ"٢ فالمراد به: قرآنه، وهو الزَّبُور.

وكذلك قولُه في البشارة التي في التوراة: "نبيًّا أُقيم لبني إسرائيلَ مِنْ إخوتهم، أُنْزِل عليه توراةً مِثْلَ توراةِ موسى".

وكذلك في صفة أمتِه ﷺ في الكتب المتقدِّمة "أناجيلُهم في صُدُورهم".

فقوله: "أَخْبِرْني بصفة رسول الله في التوراة": إما أن يريد التوراة المعيَّنةَ أو جِنْسَ الكُتُب المتقدِّمة.

وعلى التقديرين: فإجابةُ عبدِ الله بنِ عَمْرو بما هو في التوراة، أي التي هي أعمُّ من الكتاب المعين، فإن هذا الذي ذكره ليس في التوراة المعيَّنة بل هو في كتاب إِشَعْيَا كما حكيناه عنه، وقد ترجموه أيضًا بترجمةٍ أخرى فيها بعض الزيادة: "عبدي ورسولي الذي سُرَّتْ به نفسي،

  1. (١) أخرجه البخاري في البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق: (٤/ ٣٤٢).
  2. (٢) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾: (٦/ ٤٥٣).
183

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي