وقوله: "إنَّ هذا في التوراة" لا يريد به التوراة المعيَّنة التي هي كتاب موسى؛ فإنَّ لفظ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور: يُرَاد به الكتب المعيَّنة تارةً، ويُراد به الجنس تارةً. فيعبَّر بلفظ القرآن عن الزبور، وبلفظ التوراة عن القرآن، وبلفظ الإنجيل عن القرآن أيضًا. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: "خُفِّفَ على دَاوُدَ ﵇ القُرآنُ فكانَ مَا بينَ أنْ تُسْرَجَ دَابتُّه إلى أنْ يَرْكَبَها يقرأ القُرْآنَ"٢ فالمراد به: قرآنه، وهو الزَّبُور.
وكذلك قولُه في البشارة التي في التوراة: "نبيًّا أُقيم لبني إسرائيلَ مِنْ إخوتهم، أُنْزِل عليه توراةً مِثْلَ توراةِ موسى".
وكذلك في صفة أمتِه ﷺ في الكتب المتقدِّمة "أناجيلُهم في صُدُورهم".
فقوله: "أَخْبِرْني بصفة رسول الله في التوراة": إما أن يريد التوراة المعيَّنةَ أو جِنْسَ الكُتُب المتقدِّمة.
وعلى التقديرين: فإجابةُ عبدِ الله بنِ عَمْرو بما هو في التوراة، أي التي هي أعمُّ من الكتاب المعين، فإن هذا الذي ذكره ليس في التوراة المعيَّنة بل هو في كتاب إِشَعْيَا كما حكيناه عنه، وقد ترجموه أيضًا بترجمةٍ أخرى فيها بعض الزيادة: "عبدي ورسولي الذي سُرَّتْ به نفسي،
(١) أخرجه البخاري في البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق: (٤/ ٣٤٢).
(٢) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾: (٦/ ٤٥٣).
أُنْزِل عليه وحيي، فيظهرُ في الأُمم عدلي، ويُوصِيْهم بالوصايا، لا يَضْحَكُ، ولا يُسمع صوتُه في الأسواق، يفتح العيون العُورَ، والآذان الصُّمَّ، ويُحْيِي القلوبَ الغُلْفَ، وما أعطيه لا أعطيه أحدًا، يحمد الله حمدًا جديدًا يأتي به من أقطار الأرض، وتفرح البريَّة وسكانُها، يُهلِّلون الله على كلِّ شَرَفٍ، ويكبِّرونَهُ على كلِّ رابيةٍ، لا يَضْعُفُ، ولا يُغْلَبُ، ولا يميل إلى الهوى، مُشَفَّحٌ، ولا يُذِلُّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوي الصدِّيقين، وهو رُكْنُ المتواضعين، وهو نُورُ الله الذي لا يُطْفَأ، أَثَرُ سلطانِه على كتفَيْه".
وقوله: "مُشَفَّح" -بالشين المعجمة والفاء المشددة بوزن مكرم- وهي لفظة عبرانية مطابقة لاسم محمَّد معنًى ولفظًا، مقاربًا١ كمطابقة مُؤَذ مُؤَذ، بل أشدُّ مطابقةً، ولا يمكن العرب أن يتلفظوا بها بلفظ العبرانية٢ فإنما بينَ الحاء والهاء، وفتحة الفاء بين الضمة والفتحة ولا يستريب عالِمٌ من علمائهم منصفٌ أنها مطابقة لاسم محمدٍ.
قال أبو محمَّد ابن قتيبة: "مشفَّح" محمَّد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون: شفحالاها، إذا أرادوا أن يقولوا: "الحمد لله"، وإذا كان الحمد شفحا، فمشفَّح محمد بغير شك٣.
وقد قال لي ولغيري بعض من أسلم من علمائهم: إن "مَئِذ مَئِذ" هو محمَّد، وهو بكسر الميم والهمزة، وبعضهم يفتح الميم ويدنيها
(١) في "ب": "مقارنًا".
(٢) في "غ": "العبرانيين".
(٣) انظر كتابه: "أعلام رسول الله المنزلة على رسله" لوحة (٧).