أُنْزِل عليه وحيي، فيظهرُ في الأُمم عدلي، ويُوصِيْهم بالوصايا، لا يَضْحَكُ، ولا يُسمع صوتُه في الأسواق، يفتح العيون العُورَ، والآذان الصُّمَّ، ويُحْيِي القلوبَ الغُلْفَ، وما أعطيه لا أعطيه أحدًا، يحمد الله حمدًا جديدًا يأتي به من أقطار الأرض، وتفرح البريَّة وسكانُها، يُهلِّلون الله على كلِّ شَرَفٍ، ويكبِّرونَهُ على كلِّ رابيةٍ، لا يَضْعُفُ، ولا يُغْلَبُ، ولا يميل إلى الهوى، مُشَفَّحٌ، ولا يُذِلُّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوي الصدِّيقين، وهو رُكْنُ المتواضعين، وهو نُورُ الله الذي لا يُطْفَأ، أَثَرُ سلطانِه على كتفَيْه".
وقوله: "مُشَفَّح" -بالشين المعجمة والفاء المشددة بوزن مكرم- وهي لفظة عبرانية مطابقة لاسم محمَّد معنًى ولفظًا، مقاربًا١ كمطابقة مُؤَذ مُؤَذ، بل أشدُّ مطابقةً، ولا يمكن العرب أن يتلفظوا بها بلفظ العبرانية٢ فإنما بينَ الحاء والهاء، وفتحة الفاء بين الضمة والفتحة ولا يستريب عالِمٌ من علمائهم منصفٌ أنها مطابقة لاسم محمدٍ.
قال أبو محمَّد ابن قتيبة: "مشفَّح" محمَّد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون: شفحالاها، إذا أرادوا أن يقولوا: "الحمد لله"، وإذا كان الحمد شفحا، فمشفَّح محمد بغير شك٣.
وقد قال لي ولغيري بعض من أسلم من علمائهم: إن "مَئِذ مَئِذ" هو محمَّد، وهو بكسر الميم والهمزة، وبعضهم يفتح الميم ويدنيها
(١) في "ب": "مقارنًا".
(٢) في "غ": "العبرانيين".
(٣) انظر كتابه: "أعلام رسول الله المنزلة على رسله" لوحة (٧).
من الضمة، قال: ولا يشك العلماءُ منهم بأنه محمد (وإن سكتنا عن إيراد ذلك)١.
وإذا ضربنا عن هذا صَفْحًا، فمن هذا الذي انطبقتْ عليه وعلى أمته هذه الصفاتُ سواه؟! ومن هذا الذي أثرُ سلطانِه -وهو خاتم النبوة- على كتفيه رآه الناس عَيانًا مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ؟! فماذا بعد الحق إلا الضلال، وبعد البصيرة إلا العمى؟! ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾[النور: ٤٠].
فصفاتُ هذا النبيِّ ومَخْرَجُه ومبعثُه وعلاماتُه وصفاتُ أمتِه في كتبهم يقرؤونها في كنائسهم ويدرسونها في مجالسهم، لا ينكرها منهم عَالِمٌ ولا يأباها جاهل، ولكنَّهم يقولون: لم يظهر بَعْدُ، وسيظهر ونَتَّبِعُه.
قال ابن إسحاق: حدَّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، وعن٢ سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ: أنَّ يهودًا كانوا يَسْتَفْتِحُونَ على الأوْس والخَزْرجَ برسول الله ﷺ قبل مَبْعثِه، فلما بعثَه الله من العرب، كفرُوا به وجحدوا ما كانوا يقولونه فيه، فقال مُعَاذُ بن جَبَلٍ، وبشْرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ (ودَاود بنُ سَلَمَة)٣: يا مَعْشَر يَهُود: اتقوا الله وَأسْلِموا فقد كنتم تَسْتفتحون علينا بمحمدٍ ﷺ ونحن أهلُ شركٍ، وتُخْبِرُونا بأنه نبيٌّ مبعوث، وتَصِفُونه بصفته، فقال سَلام بن مِشْكم أخو٤ بني النَّضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم. فأنزل الله ﷿: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا
(١) في "غ": "وضربنا" وفي "د": "وإن سكتنا عن ذلك وضربنا".