فمن رام صرف هذه البشارة عن محمد فقد رام سَتْرَ الشَّمس بالنهار وتَغْطِيةَ البحار، وأنّى يقدر على ذلك وقد وصفه بصفات عيَّنت شَخْصَهُ وأزالت عَنِ الحيران لَبْسَه؟! بل قد صرَح باسمه مرتين، حتى انكشف الصبح لمن كان ذا عَيْنَيْن، وأخبر بقوة أمته وسير المنايا أمامهم واتباع جوارح الطير آثارهم. وهذه النبوة لا تليق إلا بمحمد ﷺ ولا تصلح إلا له ولا تنزل إلا عليه، فمن حاول صَرْفَها عنه فقد حاول صَرْفَ الأنهارِ العظيمة عن مجراها، وحَبْسَها عن غايتها ومنتهاها، وهيهات ما يروم المبطلون والجاحدون، ويأبى الله إلا أن يتمَّ نوره ولو كره الكافرون.
فمن الذي امتلأتِ الأرضُ من حَمْدِه وحَمْدِ أمته لله في صلواتهم وخُطَبِهم وأدبار صلواتِهم وعلى السرَّاءِ والضرَّاءِ وجميع الأحوال سواء، حتى سماهم الله قبل ظهورهم الحمادين!
ومن الذي كان وجهه كأن الشمس والقمر يجريان فيه في ضيائه ونوره؟!
قَدْ عَوَّدَ الطيْرَ عَادَاتٍ وَثِقْنَ بِهَافهُنَّ يَتْبَعْنَهُ في كلِّ مُرْتَحَلِ٤
(١) الشؤبوب: الدفعة من المطر.
(٢) في "غ": "المهادي". والمهارى: الإبل النجائب.
(٣) انظر معناه في العهد القديم، حبقوق: (٣/ ٣ - ١٣).
(٤) لصريع الغواني، مسلم الوليد الأنصاري. انظر ديوانه ص (١٢)، وقد جاء البيتان في المطبوعة من "الهداية" متداخلين هكذا: =
لَوْ لَمْ يَقُلْ إِنِّي رسولٌ أتىشاهدُه في وَجْهِهِ يَنْطِقُ١
ومن الذي سارت المنايا أمامه وصحبت سِباعُ الطير جنودَهُ لعلمها بما يقرب من ذبح الكفار لله الواحد القهار؟!
ومن الذي تَضَعْضَعَتْ له الجبالُ وانخفضتْ له الرَّوابي، وداس الأُمم ودوَّخ العالم، وانتقضتْ بنبوته الممالِكُ، وخلَّص الأمة من الشرك والكفر والجهل والظلم سواه؟!
(الوجه السادس والعشرون): قوله في كتاب حَزْقِيَل يهدِّد اليهود ويصف لهم أمة محمد ﷺ: "وأنَّ الله مُظْهِرُهُمْ عليكم، وباعثٌ فيهم نبيًّا، ويُنْزِلُ عليه كتابًا، ويملِّكُهم رقابَكم فيقهرونكم ويُذِلُّونكم بالحقِّ، ويخرج رجال بني قيدار في جماعات الشعوب معهم ملائكة على خيل بيض متسلحين يوقعون بكم، وتكون عاقبتكم إلى النار"٣.
فمن الذي أظهره الله على اليهود حتى قهرهم وأذلهم وأوقع بهم وأنزل عليه كتابًا؟ ومن هم بنو قِيْدَار غير بني إسماعيل الذين خرجوا معه ومعهم جماعات الشعوب؟! ومن الذي نزلت عليه وعلى أمته الملائكةُ
= قد عود الطير … أتى شاهده في وجهه ينطق لو لم يقل … فهن يتبعنه في كل مرتحل
(١) أورده المصنف في "زاد المعاد": (٤/ ٢٤٥) ولعله له.
(٢) البيت لكعب بن زهير، وهو في ديوانه هكذا: يتطهرون كأنه نسكٌ لهم .....