ومن الذي تَضَعْضَعَتْ له الجبالُ وانخفضتْ له الرَّوابي، وداس الأُمم ودوَّخ العالم، وانتقضتْ بنبوته الممالِكُ، وخلَّص الأمة من الشرك والكفر والجهل والظلم سواه؟!
(الوجه السادس والعشرون): قوله في كتاب حَزْقِيَل يهدِّد اليهود ويصف لهم أمة محمد ﷺ: "وأنَّ الله مُظْهِرُهُمْ عليكم، وباعثٌ فيهم نبيًّا، ويُنْزِلُ عليه كتابًا، ويملِّكُهم رقابَكم فيقهرونكم ويُذِلُّونكم بالحقِّ، ويخرج رجال بني قيدار في جماعات الشعوب معهم ملائكة على خيل بيض متسلحين يوقعون بكم، وتكون عاقبتكم إلى النار"٣.
فمن الذي أظهره الله على اليهود حتى قهرهم وأذلهم وأوقع بهم وأنزل عليه كتابًا؟ ومن هم بنو قِيْدَار غير بني إسماعيل الذين خرجوا معه ومعهم جماعات الشعوب؟! ومن الذي نزلت عليه وعلى أمته الملائكةُ
= قد عود الطير … أتى شاهده في وجهه ينطق لو لم يقل … فهن يتبعنه في كل مرتحل
(١) أورده المصنف في "زاد المعاد": (٤/ ٢٤٥) ولعله له.
(٢) البيت لكعب بن زهير، وهو في ديوانه هكذا: يتطهرون كأنه نسكٌ لهم .....
على خيل بِيْضٍ يومَ بدرٍ ويومَ الأحزاب ويوم حُنَيْنٍ حتى عَايَنُوها عِيَانًا تقاتل بين يديه وعن يمينه وعن شماله، حتى غلب ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر رجلًا -ليس معهم غير فرسين- ألفَ رجلٍ مُقَنَّعين في الحديد، معدودين من فرسان العرب، فأصبحوا بين قتيل وأسير ومنهزم١!!
(الوجه السابع والعشرون): قول دَانِيَال، وَذَكَرَهُ باسمه الصَّريح، من غير تعريضٍ ولا تلويح، وقال: "ستنزع في قِسِيِّك أعراقًا، وترتوي السِّهام بأمرك يا محمد ارتواءً"٢.
وقال دَانِيَالُ النبيُّ أيضًا حين سأله بختنصَّر٣ عن تأويل رؤيا رآها ثم أنسيها: "رأيت أيها الملك صنمًا عظيمًا قائمًا بين يديك، رأسه من ذهب، وساعداه من فضة، وبطنه وفخذاه من نحاس، وساقاه من حديد٤، ورجلاه من الخزف، فبينا أنت متعجب منه إذ أقبلت صخرة فدقت ذلك الصنم فتفتت وتلاشى وعاد رفاتًا ثم نسفته الرياح وذهب، وتحول ذلك الحجر إنسانًا عظيمًا ملأ الأرض، فهذا ما رأيت أيها الملك".
فقال بخت نصر: صدقت فما تأويلها؟
قال: أنت الرأس الذي رأيته من الذهب، ويقوم بعدك ولدك وهو الذي رأيته من الفضة وهو دونك، وتقوم بعده مملكة أخرى (هي دونه
(١) في "ج": "ومنهزمين".
(٢) انظر: سفر حبقوق: (٣/ ٩).
(٣) وفي قاموس الكتاب المقدس يكتبونه: (نبوخذ نصَّر).